|

«ولدت هناك، ولدت هنا» لمريد البرغوثي:
رسم معاناة الفلسطيني بأسلوب قصصي
د.إبراهيم خليل –
من يقرأ هذا الكتاب يحتاج لقراءة مئة وثماني عشرة صفحة كي يعرف المغزى الذي
يرمي إليه مؤلفه مريد البرغوثي من عنوانه المتناقض ظاهريا: ولدت هناك، ولدت
هنا . وحقيقة الأمر أن المؤلف يروي مشاهد من سيرته الذاتية ورحلته من
المنفى عائدا إلى رام الله، وإلى قريته غير البعيدة منها دير غسانة بمعية
ابنه تميم الذي سمح له بالعودة إلى تلك القرية للمرة الأولى. فبعد أن تجول
الفتى في بيت الأسرة سأل أباه قائلا: أين الغرفة؟ أين ولدت يا أبي؟ ،
فيجيبه مريد، مشيرا إلى غرفة واسعة ذات سقف مقبب يتدلى من مركزه مصباح
كهربائي كان في العام 1944 مصباح زيت قائلا: ولدت هنا .
في تلك اللحظة تتداعى في رأس المؤلف ذكريات الشتات: في القاهرة، وفي
بودابست، وفي بيروت، وفي عمان، ودمشق، وغيرها من مدن، فعندما كان يسأل عن
مكان ولادته تتكرر الإجابة دائما: ولدت هناك . وهي إجابة تحمل مدلول
الإشارة إلى القرية إياها، دير غسانة بفلسطين. أما الآن -في زمن كتابة
النص- فقد وجد الجواب السابق هناك إلى جانب الجواب اللاحق هنا ، وهذه
المفارقة تطوح بالكاتب، فإذا هو في شقة من بناية المكحل: في الفاكهاني، وفي
ستوديو الإذاعة في البناية المقابلة حيث تزدحم الفنادق، التي كان يستقبل
فيها هو وزملاؤه من الشبان وفود العالم ومنظماته المدافعة عن حق
الفلسطينيين في تقرير المصير.
لا يلتزم فيه المؤلف التدقيق في اللحظة الراهنة، بل يسمح لخياله الخلاق أن
يقفز بنا تارة للماضي، الذي تجاوزته السنون، وتارة يأخذنا للمستقبل عندما
يتحدث عن وقائع ستحدث في رام الله لاحقا، أو في القدس بعد أن يقوم شارون
بزيارته المشؤومة للحرم القدسي الشريف. ومؤلف هذه السيرة سبق له أن قام في
العام 1996 بزيارة لرام الله، وكانت الأولى في سلسلة زياراته لأراضي السلطة
الفلسطينية، بل تجاوزت ذلك لزيارة يافا وعكا وحيفا والناصرة وغيرها من مدن
الوطن السليب. وقد كتب في حينه كتابا عنوانه رأيت رام الله . ووصف فيه ما
شاهده من تغيير قسري فرضه الاحتلال على الناس وعلى المكان. فلم تعد رام
الله هي رام الله التي عرفها صغيرا ويافعا وشابا مراهقا بعد أن غابت عنها
مظاهر البهجة التي كانت في الماضي تجعل منها كعبة القلوب، ومحج الأفئدة.
وها هو في هذا الكتاب، الذي يعيده هو وابنه الوحيد تميم الذي ولد في مصر،
وعاش بعيدا عن والده سنوات طويلة، لا يلتقيان، إلا لماما في بودابست، أو في
بيروت، أو في عمان، يعيدهما معا ليتعرف الابن على أريحا، ثم رام الله،
فالقدس التي ذهبا إليها متسللين، أو كالمتسللين، تارة في سيارة إسرائيلية
تحمل لوحة أرقام صفراء اللون، أو في عربة إسعاف. ثم دير غسانة وغيرها من
أمكنة تعيد لمريد ذكريات الماضي.
في هاتيك الجولات يرسم لنا المؤلف بأسلوب قصصي شيق ما يعانيه الفلسطينيون
في ظل الاحتلال، وفي ظل السلطة. فكل اتفاقيات السلام التي يجري عنها
الحديث، وقيام السلطة التي تتناسل أعلامها على سطوح الأبنية والمكاتب
والمؤسسات، مشروط بموافقة ضابط إسرائيلي، ولا يستطيع، أحد مهما كانت
جنسيته، وأيا كان أصله، أن يجتاز معبرا من المعابر، برا أو بحرا أو جوا،
دخولا أو خروجا، إلا بتصريح إسرائيلي، وأختام إسرائيلية. والتحقيق مع أي
شخص، وإعادته من حيث أتى، أو إرساله إلى أحد السجون الإسرائيلية في نفحة أو
مجدو أو المسكوبية احتمال وارد جدا، لا يستثنى منه رفيع أو وضيع. وهنا يذكر
المؤلف أسماء وزراء من السلطة تم اعتقالهم، وبرلمانيين بلغ عددهم ثمانية
وعشرين بمن فيهم رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك، اعتقلوا دون ذكر
الأسباب، لا لشيء إلا لأنهم لم يتمتعوا برضا قاعدة البيانات لدى الكمبيوتر
الإسرائيلي.
ما يذكره المؤلف هنا يهون كثيرا عما يذكره في موضع آخر، عندما يتعثر هو
وتميم وقريب لهما (حسام) في طريق الذهاب إلى القدس. فالعذاب الذي يلقاه
الفلسطينيون عند الحواجز يكاد لا يوصف، ولكن أكثر ما يحز في نفس مريد أن
ينظر إليه الأهالي في البلدة القديمة بوصفه سائحا. فمريد البرغوثي الذي هو
من فلسطين يظنه المقدسيون سائحا كأي أجنبي، لأنهم رأوا ابنه يحاول التقاط
صورة أمام قبة الصخرة، ليحملها معه إلى أمه في القاهرة. فالقدس أرض محتلة
بجيش قوي، وظيفته الوحيدة أن يفصل جسد المؤلف ومن هو في مقامه، ويفصل صوته،
وخطواته، وذاكرته، عن المدينة، ومنعه، كغيره من الفلسطينيين، من الوصول
إليها ولو على سبيل الزيارة، كأن القدس في نظر هؤلاء معسكر يتكدس فيه
الجنود وأصابعهم على الزناد، وليست مدينة كسائر المدن.
يضعنا الكتاب وجها لوجه أمام الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون. لكأن
الاحتلال لم يكفهم، فجاء رجالات السلطة، في ما يؤكده المؤلف، ليزيدوا الطين
بلة، والعذاب الشديد عذابا جديدا. يقول المؤلف في الفصل السابع واصفا أحد
المسؤولين: لم يكن من كبار فاسدي السلطة، بل مجرد فاسد صغير مبتدئ. يوجد
الآلاف مثله في أي مكان. الفاسدون الكبار لم يعد مرآهم يثير إلا
اللامبالاة. فسادهم كلاسيكي ولا مزيد. أما هو فخريج جامعي بدأ حياته
العملية فاسدا، فساده يافع، وطازج، ومتورد الخدين، قوي العضلات، فهو يمارس
رياضة كمال الأجسام. ويدلك نفسه إن لم يجد من يدلكه .
تضاف إلى هذه المعاناة أساليب أخرى من بث الرعب والفزع في صفوف المواطنين
الأبرياء، خصوصا في مخيمات اللاجئين. لقد أنشأ الإسرائيليون جيشا من
الإرهابيين الذين يتنكرون بملابس عربية ويغطون رؤوسهم بالكوفية والعقال، ثم
يتسللون إلى البيوت ويثقبون الجدران ويخترقون المنازل واحدا تلو الآخر،
تارة يعتقلون وتارة يقتلون دون التدقيق في هويات ضحاياهم من الآمنين. هذه
المشاهد الكثيرة التي تقشعر لها الأبدان، وصفها لنا مريد البرغوثي بلغة
توحي بالكثير المضمر، في أداء واقعي يشي بالصدق الذي يجعل من كتابه هذا
وثيقة تقول ما لا يقال، وتري القراء ما لا يرى، فهي لذلك تستحق أن ينعم
القارئ فيها النظر من حين لآخر. هذا إذا لم تبادر إحدى الشركات المنتجة
للأفلام والمسلسلات التلفزيونية لتحويله إلى سيناريو متعدد الحلقات.
|