|
جلست سكينة بجوار النافذة تتابع الأخبار وتنتظر, كانت منذ سنوات قد رسمت خارطة لدار لم الشمل في دير غسانة لابنها الشاعر الكبير. وقفت بسنينها الثمانين علي البناء, صبت أدوارا من الشاي للعمال وأعدت لهم الطعام وسلمت ابنها مفاتيح البيت ليكمل ما بدأته وتعود إليه في الصيف لتقيم معه. ثم حدث ما حدث وتعقدت الإجراءات, وأصبح عبور الجسر القصير الذي هو أقصر من جملة عبئا لسيدة في سنها. قاتلهم الله.. ستجلس سكينة بجوار النافذة تحلم بيوم يجمعها بأولادها وأحفادها في دار برق ورعد.. في التاسعة مساء ستنام.. لكنها الآن تنتظر. بدأت الحكاية عندما أصدر ابنها نواف عبدالرازق البرغوثي, الشهير بمريد البرغوثي, كتابا عام1998 سجل فيه عودته لرام الله بعد المنفي في بلاد الله, أشرك مريد عشرات الآلاف معه في تجربة المنفي, شرح لهم الفارق بين الوطن علي كارت بوستال والوطن الحقيقي, والوطن المنقوش علي قلادة ذهبية والوطن الموشوم في القلب, والعدو الذي يخنقك بشال من حرير أو يهشم رأسك بفأس من الحديد!! والفارق المهين بين زيت الزيتون في زجاجة صغيرة خضراء عند البقال وجرار الزيت في الدار, وشرح أن المستوطنات علي الطريق الي المدن والقري العربية المتناثرة ليست من قطع لعبة الليجو الشهيرة, بل واقع يمضي كالسكين في جرحنا العربي النازف. في ولدت هناك.. ولدت هنا يعود مريد مرة أخري لعبور الجسر, لكنه ليس وحده.. معه تميم الشاعر الفلسطيني الشاب, ابنه من زوجته المصرية الروائية رضوي عاشور, يحكي مريد كيف أصرت رضوي علي أن تكتب جنسية تميم في شهادة الميلاد فلسطيني, رغم أن مريدا يحمل وثيقة سفر أردنية. أصرت رضوي في شجاعة لكي يعرف تميم فلسطينيته ولد وتربي في مدارس مصر وتخرج في جامعة القاهرة بتفوق, ثم حان الوقت ليتعرف علي فلسطين يعبران الجسر, يمشي تميم في شوارع رام الله والبيرة ودير غسانة والقدس وأخيرا يحصل علي بطاقة هويته الفلسطينية. تميم رسالة عشق ترسلها رضوي الأم المصرية المثقفة عبر مريد الي فلسطين.. الرسالة تصل سالمة الي المرسل إليه. يحكي مريد مشاعره كأب وكمواطن عربي في زمن النكسة وفق نسق سردينمائي. منذ اللحظة الأولي في العمل نستعيد أجواء خاتمة فيلم تحت الأرض السحرية للمخرج البوسني إيمير كوستوريتسا الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام1995, نذكر كيف في نهاية الفيلم فصل زلزال قطعة أرض مرتفعة عن الوطن وهامت في البحر كجزيرة عائمة علي شكل يوغوسلافيا؟ اتذكر الآن هذا المشهد بتناقضاته الإنسانية والبصرية عندما يصف مريد كيف تأرجحت يد الرافعة بركاب السيارة الأجرة, تهبط السيارة بركابها وينطلق كل منهم الي وجهته. يتبلور العمل الذي يقسمه مريد الي وحدات منتظمة كالأبيات في القصيدة تتخللها روابط متعددة لنصوص عالقة, ما إن ينطق مريد بالكلمات السحرية( في المستقبل, سوف, سـ) حتي نموج من زمان الي آخر ومن مكان الي آخر, يتحكم مريد في مونتاج العمل فيأخذنا عبر الزمان والمكان بينما بخفة يد ومهارة يلصق المشاهد بنعومة محافظا علي إيقاع العمل وتواتره المتصاعد. ومع تطور السرد نكتشف الخدعة المخملية, لقد هبط ركاب عربة الأجرة لنركب ـ نحن القراء ـ محلهم, لكن يد الرافعة هذه المرة لا تهبط بالعربة علي الأرض, من عل نتابع النكبة والوكزة والوكسة, يتنقل مريد بخفة من زمن سردي الي آخر وبالتوازي من طبقة نصية الي أخري, ومن ثم تتفتح نوافذ نصية وتغلق نوافذ أخري بينما يترك مريد عربة الأجرة تتأرجح بقرائه في السماء حتي نهاية العمل!! يعيش مريد المواقف وتمر به الشخوص, يقرر: سأكتبها! ثم يرفع مريد قلمه بيده اليمني ويعلن مبدأه الرئيس ككاتب يتقن فن تقليب المواجع, مدحا أو هجوا, يمتشق مريد قلمه أو يشرعه ويتعامل به مع الآخر, عدوا كان أم صديقا, يتحول القلم الي سيف وسوط وقوس كمان وعصا مايسترو. هكذا يكتب محمود وتميم ورضوي ورفيف وحسين ومروان, وكذلك يكتب نامق التيجاني وآرييل شارون والـ إف16 والثور الإسرائيلي في متحف الخزف. الصراع علي الأرض يصبح صراعا علي الحكاية. يحسم مريد الصراع علي الحكاية الفلسطينية ويعلن التمرد علي المنفي في الصمت الاجباري, يريد أن يحكي لنا كل ما رآه كفلسطيني في المنفي والوطن. هو كاتب وهذا هو عمله. يحكي لنا حكاية الكلمات والاسماء.. كيف ضاقت به السبل واتسعت في ذات الوقت. يقف مريد علي عتبة السرد يسرعه ويبطئه بل ويوقفه أحيانا, تتداخل الأزمنة, تهبط صور فوتوغرافية من السماء, تأتيه ممرضة بمستشفي جوهر ببشارة إنجابه لولد كالقمر فيفتح ذراعيه لشاب يقارب طوله, تخترق العمل الجمل الاعتراضية, ويمر بنا مريد من الطرق الترابية الي الحرير الأسفلتي, ومن النثر الي النظم, ومن النص الي الحواشي والي النص العالق, فتكتشف أن الجزء الثاني يخفي بداخله جزءا ثالثا. سأجعل من كل شعور هز قلبي ذات يوم واقعة تاريخية وسأكتبه هذا درس في التاريخ للتاريخ. من هنا تتري تفاصيل السرد عن أناقة العيش والمباهج الصغيرة وطقوس القهوة والحجاب ومقابر أشجار الزيتون الجماعية وابتسامة الدبابة وشباب الفلسطينيين في الخليج والجدار والحواجز وساراماجو وموت الأشقاء ومرض أبناء العم وبافاروتي وفيروز. وبينما الكاتب يشعل سيجارة, يرتشف قهوته, يكاد يسألك هل يعد لك بعض الشاي معه ويستطرد: نسيت أن أقول لك وبالمناسبة أو تصور؟! ثم يعود بك إلي حكاية سابقة ليضيف إليها أو يقفز بك إلي حكاية مستقبلية قبل أن تفر منه وهكذا يأخذك معه عبر معابر الحكايا... تظل فلسطين هي الملتقي الأخلاقي لأصحاب الضمير في العالم كله, لا نمل حكاياها الصغيرة التي تبعث الشهداء من قبورهم وتعيد المنطق الي الهذيان. ولدت هناك.. ولدت هنا( مايو2009) هي حكايا الإنسان في المكان والزمان, هي طلقة مريد البرغوثي الثانية بعد طلقته الأولي رأيت رام الله قد تكون الطلقة الأولي هي التي تباغت عدوك ويفزعه دويها, وقدر الطلقة الثانية أنها التالية, لكنها هي التي تردي عدوك صريعا تحت قدميك, بينما قراؤك تتأرجح بهم عربة أجرة في السماء في كف رافعة عملاقة.. ووالدتك في الغربة تنتظر لم الشمل.
نقلا عن جريدة الأهرام
|