الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي:

 

للمنافـي مباهجها .. ولا أمدح كل شيء فـي الوطن

 

حاورته سميرة عوض –  

لا يحب تقليد نفسه، وتنتهي علاقته بكتابته عند نشرها، وفي الوقت نفسه لا ترهبه اي نظرية نقدية معلنا ان الجدل الصحفي الدائر حول الشعر في الوطن العربي لا يعنيه كثيراً. الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي الذي توزعته المنافي يرى ان الغزاة يمكنهم أخذ مدينته الا انهم لن يتمكنوا من أخذ ذاكرته .. حمل من طفولته قدرته على التهكم والسخرية .. وان ظل يمايز بين الغموض الخلاق وبين الهذيان في كتابة القصيدة.
ويؤمن صاحب
«منتصف الليل» الصادر مؤخرا عن دار رياض الريس للنشر في بيروت والذي يحمل نفسا شعريا ملحميا ان الحديث المقدس عن الاوطان دائما ليس من رسالة الشاعر بشيء اذ عليه ان يكون اول من يرى الخلل وأول من ينتقد. والشاعر البرغوثي يعلن ان اهتزازه بالكامل كفرد إثر احداث حياته هز مفاهيمه تجاه الكتابة. يمقت استخدام المفردات المعلقة في الهواء كالذباب من فرط استخدامها على السنة الناس فتسقط على الورق دون ان يختارها الكاتب.
 صدر لمريد البرغوثي 13 ديوانا هي: «الطوفان واعادة التكوين» العام 1972، «فلسطيني في الشمس» 1974، «نشيد للفقر المسلح» 1975، «قصائد الرصيف» 1980، «طال الشتات» 1987، «رنة الابرة» 1993، «منطق الكائنات» 1996، «ليلة مجنونة» 1996، «الناس في ليلهم» 1999، «زهر الرمان» 2002، منتصف الليل 2005، وله كتاب  «رأيت رام الله» اضافة لأعماله الكاملة، ترجمت قصائده الى العديد من اللغات، ونال عدداً من الجوائز أهمها "جائزة فلسطين للشعر" و "جائزة نجيب محفوظ للأداب".

 

*** نعرف أنك كثيرا ما تشارك في انشطة عالمية وعربية مهمة ومع ذلك لا نطالع اخبارك في الصحف، باستثناء اخبار قليلة تتزامن مع صدور ديوان جديد لك ماذا عن علاقتك بالإعلام؟

 

-       هنالك صورة للتواجد الاعلامي ارفضها، ان يقوم الشاعر مثلا بتزويد الصحافة بابناء يومية عن كل نشاط وكل دعوة توجه له. اعتقد أن هذا اهانة للشعر وللشاعر وللصحافة معا. افترض ان المرء يذهب للشعر أصلاً  لأنه غير قادر على السقوط في لعبة العلاقات العامة والترويج للذات والمفاهيم التجارية. لو كنت قادرا على هذه الأساليب التجارية لما اخترت الشعر أصلاً كمنهج لحياتي وربما أصبحت مقاولا  أو مندوب مبيعات ـ على سبيل المثال ـ فبعض الرواج الاعلامي قائم على إتقان لعبة السوق، ما يعني الناس هو كتابتي، انتاجي، وانا علاقتي تنتهي بكتابي عندما أنتهي من كتابته، بعد ذلك لا أعمل على الترويج له ولا على التنبيه اليه، ولا اقدمه ـ حتى كإهداء ـ للمنابر الثقافية والصحافة. قد اقدمه هدية لاصدقاء لا علاقة لهم بالصحافة، لكني اتردد في اعطاء الكتاب لمن يمتهنون الإعلام.

 

-       *** ديوانك الاخير «منتصف الليل» الصادر حديثا يحمل قصيدة واحدة طويلة تميزت برسم مؤثر للحال الراهن فلسطينيا وحتى عربيا لماذا اللجوء لهذا النفس الملحمي، المغاير لاسلوبك الشعري في أعمالك السابقة؟

 

-       - لا أحب تقليد نفسي، كلما اشعر انني قدمت تجربة في اطار شكل معين تولد لدي رغبة في مغادرته لأن تقليد الشاعر لذاته أسوأ حتى من تقليده لغيره، وأنا مؤمن ان الحياة اثمن من كل اساليب كتابتها، فدائما هنالك بحث عن اسلوب لقول العالم، وهذا البحث لا ينتهي وهذه الاساليب لا تنتهي، بالتالي لا ترهبني اية نظرية نقدية ولا يعنيني كثيراً هذا الجدل الصحفي الدائر في العالم العربي حول الاشكال والاوزان والمواضيع والاجيال الشعرية. اوراق مسوداتي هي وحدها التي تقول لي كيف تنمو، ولا يخيفني ان تنمو عكس الاتجاه السائد، فإذا انتهت قصيدتي في سطرين اوقفها هناك وتكون هكذا، واذا كانت القصيدة قابلة لأن تصبح كتابا فلن أوقفها في المنتصف لأن هنالك شكلا منتظرا للقصيدة يختلف عن ذلك، اذا بدأت القصيدة بايقاع موسيقي مألوف استمر بها كقصيدة موزونة اما اذا جاءت بدايتها خالية من الاوزان المعروفة اكتبها كقصيدة نثر دون تردد.
الشاعر هو الذي يخترع الاشكال، وليست الاشكال هي التي تقترح على الشاعر، على الناقد ان يستنبط نظريته من عملنا وليس على الشاعر ان يستنبط قصيدته من نظريات الناقد.

 

-       غياب النقد

 

-       *** اوافقك الرأي، خصوصا وأننا نجتر النظريات الغربية وربما بعد انتهاء صلاحياتها .. وأصبح النقد مكرورا .. ما رأيك بأهمية وجود نظريات نقدية عربية؟

 

-       - ليس لدينا نظرية عربية قديمة، د. احسان عباس قضى خمسة عشر عاما يبحث في النظرية النقدية العربية بهدف وضع كتاب عنها، وبعد كل قراءاته وتنقيبه اسمى كتابه «تاريخ النقد الأدبي عند العرب» وليس نظرية النقد ، لأنه لم يجد نظرية او نظريات، فجاء كتابه تسجيلا تاريخيا لاجتهادات افراد في تعاملهم مع الأدب العربي.
والآن بعض النقاد الجدد «ببغاوات» في أحسن حالاتهم، ولم يوجه لهم أحد صفعة لائقة بمقدار ما وجهها ادوارد سعيد عندما قال مخاطبا الناقد العربي الحديث ساخرا من كثرة استشهاداته بأقوال النقاد الاوروبيين صفعهم بسؤاله الصغير التالي: «حسنا هذا ما قاله فوكو، فما قولك أنت؟».
الترجمات غير الدقيقة للنظريات النقدية الغربية أوصلتها مشوهة الى نقادنا ممن لا يستطيعون قراءة الأصل. أما النقد الصحفي اليومي «السريع» فلا يحسن بنا أن نتوقف عنده لأن عيوبه أوضح من أن توصف، النقد الحقيقي كما يمارسه العالم الآن يهدم أصناماً مقدسة، ولا يخجل من الاشارة الى المغامرات الجديدة. ان منطق القبيلة قد يفرز شاعرا جيدا لكنها لن تفرز ناقدا أبدا.

 

-       *** بحسب علمي، فهنالك عدد من الرسائل الاكاديمية لطلبة الماجستير والدكتوراة في الوطن العربي والغربي درست سيرتك الشعرية. هل استطاعت ملامسة نبضك الداخلي؟

 

-       - بعض الرسائل الجامعية التي اطلعت عليها استطاعت الاقتراب من بعض الجوانب في شعري، وبعضها تاه في الجفاف الاكاديمي، ولم يستطع ان يكون حيويا ويحقق الدقة التي بدونها لا يستقيم اي نقد.

 

-       *** أنت شاعر مقل .. فبين ديوانك الاول الصادر العام 1972، والاخير الصادر العام 2005 مسافة طويلة من الزمن ومع ذلك لم تنشر الا 12 ديوانا وأعمالك الكاملة .. لماذا هذا الترشيد في النشر؟

 

-       - أتأنى كثيرا قبل ان انشر قصائدي، عندي قلق دائم يدفعني الى عدم الاستعجال، الجزء الناقد بداخلي، يجعلني استمر في مراجعة القصيدة لفترة طويلة من الزمن، لا انشر شعرا مسلوقا، الشعر عمل متعب، ومن الصعب القول ان القصيدة اكتملت هنا، هنالك عمل يجب على الشاعر القيام به وهو أن تبدو الحياة في قصيدته وكأنها تكتب للمرة الاولى، وهذا لا يتأتى الا اذا اختيرت كل مفردة وكل جملة بعناية الجراحين، وفي الكتابة عمليات حذف قاسية يجب ان يتجرأ الشاعر على القيام بها اذا تطلب البناء الشعري ان تحذف الزيادات والنتوءات في القصيدة، وهذا يؤدي الى التقشف والاقتصاد اللغوي والبعد عن الكليشهات والقول المألوف والشعارات، ان لم يقم الشاعر بكل هذا الجهد لبناء قصيدته، يستطيع ان ينشر مئة ديوان. وانا اطمئن لشيء واحد ـ رغم انني دائم القلق على عملي، وهو انني لست مكثرا.

 

-       *** بعض المبدعين لا يحبون الكمبيوتر ولا يستخدمونه .. ترى هل أنت من اصدقاء هذا الجهاز، وهل تكتب قصيدتك «كمبيوتريا» مباشرة، وماذا عن طقسك الكتابي؟

 

-       - أنا الآن اكتب على الكمبيوتر مباشرة، وذلك منذ العام 1996، وهذه التجربة تشجعني على الحذف الذي اميل له كثيرا، لا استطيع الكتابة صيفا، اكتب في البرد، في الشتاء، فأنا مخلوق يفتنه ما يحدث للطبيعة في الشتاء، حيث يحس المرء ان الطبيعة تتغير، هنالك أصوات واضواء واهتزازات، هناك ما يحدث حولك. بينما في المجتمعات الشمسية والصحراوية هنالك رتابة وتشابه مقيت، تبدل الفصول وتقلبات الطبيعة من الهدايا التي تقدم لروح الانسان، اذ يشعر المرء ان كل شيء قابل للتغير، الشتاء يخبرني ان أقول لنفسي «حتى الطغيان يمكن ان يزول»! إذا كانت الطبيعة نفسها بكل غموضها وقوتها لا تبقي على الثلج الى الأبد، وعلى الحَرَّ الى الأبد وعلى الشجر الى الأبد لماذا هؤلاء الطغاة السخفاء يبقون للأبد!.

 

-       اعادة الكتابة

 

-       *** وقبل ذلك ... ما هو طقسك في الكتابة من حيث نوع القلم، الورق؟

 

-       - قبل الكمبيوتر كنت اكتب بقلم حبر سائل لونه أسود ـ وليس أزرق ـ واذا شطبت كلمة في أي موقع أمزق الصفحة بأكملها، ويكون حولي في الغرفة عشرات الأوراق لأكتب قصيدة من صفحتين، وكنت اكتب على الورق الأبيض الناصع.
كتابتي لديواني الأخير «منتصف الليل» وهو قصيدة واحدة طويلة استغرقت عامين كاملين بين الكتابة والحذف، فقد كانت القصيدة ضعفي حجمها المنشور.

 

-       *** متى تنتهي علاقتك بالقصيدة؟

 

-       - أظل أدقق القصيدة واعمل عليها، حتى قبل نشرها بدقيقة وأنا محتفظ بكل قلقي وخوفي وترددي، ولا «تفلت» مني الا حين نشرها.

 

-       منزل وثلاثة كتاب

 

-       ***  كونك متزوج من الروائية رضوى عاشور، وابنك تميم شاعر ايضا، هل تعرض عليهما قصائدك .. وهل تأخذ بأرائهم النقدية؟ أم تأخذ برأي الاصدقاء؟

 

-       - نحن في منزل فيه ثلاثة كتاب، روائية وناقدة وشاعران، فدائما لدينا معارك وحرائق حول فاصلة او كلمة يكتبها أحدنا، ويكون الجدال خاليا من أي رحمة من جميع الاطراف، وبالطبع تميم هو الاقسى في ملحوظاته النقدية، وتعبيراته الاعتراضية «معقول تضعوا هذه الكلمة؟» او «في أحد يكتب هكذا» تعبيرات سائدة، اما اذا انبهر بجملة نجده يقفز فرحا، ويهجم عليّ مقبلا، وكلنا نتعامل بدقة مع الكتابة، ولا يوجد أي مجاملة، هذا لا يعني رضانا جميعا عما نكتب، فمهما كانت الملاحظات على المسودات ففي النهاية يظل كل واحد منا ابن اوصافه، وابن اسلوبه، وابن لغته، لكن هذا الجدل يفتح العين اثناء الكتابة ويشير الى مواطن الخلل، وهو جدل في كل أحواله يشكل متعة بحد ذاته.
هنالك أيضا الاصدقاء خصوصا وقد عشت لفترات طويلة بعيدا عن أسرتي، وكنت التقي بهم بشكل متقطع عبر سنوات طويلة، ففي كل البلدان التي عشت فيها كان يشاركني في الجدل حول مسوداتي الاصدقاء الذين أتوسم فيهم اهتماما بما أكتب.
وأنا أرى هذا الجدل مع الاصدقاء، والجدل المنزلي اكثر اضاءة وجدوى من بعض ما اقرأه لاحقا من مراجعات نقدية «محترفة». وأنا ازعم ان الجدل بين الكتاب انفسهم يثريهم ويعلمهم ويرتقي بذائقتهم المشتركة اكثر بكثير مما يتعلمونه من نقدنا العربي الحالي.

 

-       *** تظل الطفولة البئر الاولى للابداع .. ماذا ظل فيك من طفولتك الاولى؟

 

-       - ظل فيَّ من الطفولة القدرة على السخرية والتهكم، ما زلت قادرا على كتابة القصيدة الساخرة، التي تفجر الضحك لدى القارئ / المستمع، وظل فيّ من الطفولة الاستهتار بـ «الكبار»، الطفل لا كبير لديه، وبالتالي لا أحسب حسابا لمن يملكون مقاليد الامور السياسية والادبية والنقدية. ظل فيّ ايضا الرغبة في الوضوح، لا أطيق الكتابة المغلقة المستغلفة، المبهمة، ولا تقنعني كل محاولات طمس الفرق بين الغموض الفني وهو جميل، وبين غباء غياب المعنى وهو قبيح.
أحب التفريق بين الغموض الخلاق، وبين الهذيان، فالغموض الخلاق يعطي مستوى واحدا أو أكثر من مستويات المعنى ويترك الباب مفتوحا للقارئ الاذكى والاكثر اهتماما ليتوصل الى المستويات الأعمق، والاكثر بعداً، التي يحملها النص، وأنت بهذا تشرك القارئ في بناء قصيدتك معك، اما الهذيان فهو الفشل في اعطائك أي فرصة لفهم النص على اي مستوى. هنالك فرق آخر بين الوضوح الخلاق والخطبة المباشرة، او الشعارات، الوضوح الخلاق هو ثمرة جهد كبير لكي تبدو الأمور بسيطة ـ رغم انها مركبة ـ وهذا هو عمل الشعر، أما التعميمات والمباشرة فهي شكل من أشكال البطالة
حيث الشاعر لا يعمل، لكنه يقول ما قبل آلاف المرات من قبل. ولدينا شعر كثير يسقط بين الهذيان بحجة الحداثة، وبين اللجوء للشعارات بحجة الوطنية!.
أنا لست ضد القصيدة التي تتناول قضية عامة، لكن هناك طريقة سيئة، وطريقة جيدة للقيام بأي شيء في حياتنا، بما في ذلك كتابة الشعر. وبالتالي لا أريد اخراج القصيدة السياسية من الشعر، اريد ادراجها بطريقة لا تفرط بالشعر.

 

-       *** أنت ماهر في تحييد السياسي عن الشعري .. ومع ذلك تحمل قصائدك نفسا سياسيا مستلهما الوجع الفلسطيني بامتياز؟

 

-       - أنا أكتب الحياة. إن أي قضية عامة يجب ان تتأصل في الإدراك الشخصيّ للشاعر قبل كتابتها، أنا أكتب عن رواسب التاريخ في، ولا اكتب عنه بوصفه «شيئاً خارجيا»، مرة كتبت ان السياسة هي عدد فناجين القهوة على مائدة الافطار، مَن فنجانه غائب بسبب قتله في الأمس، لا أقول كيف قتل .. أو أنه قتل .. أقول فنجانه غائب. من ذهب، من رحل .. من هجج، وما الذي تفعله الجدة  أو الأم صباح العيد، الملمح الجسدي .. مهم، أحكي عن الانسان الفرد وماذا تسلل له من التاريخ ومن الجغرافيا ومن الخسارات والآمال، أنا أبدأ الدنيا من الجسد الواحد، لكن هذا الجسد تلخيص لمشوار انسانية كاملة.
إن وضع القضية داخل الوزن والقافية لا يخلق شعراً، عندما تتوقف القضايا السياسية عن كونها قضايا جاهزة "خارجنا" بل إحساساً حميماً يمكن تحويلها الى شعر بوصفها مكوناً داخليا لشخص كاتبها. أنا لا أقول لا تكتبوا في القضايا الوطنية أنا أقول أكتبوها جيدا.

 

-       *** كونك تعيش في الوقت وذاكرة الوقت .. ماذا عن المكان وماذا يعني لك .. وانت المرتحل بين 30 بيتا و 30 مدينة؟

 

-       - أنا معني بالاوقات التي أمر بها، اللحظات التي أعيشها، كل لحظة لها ما يوقظ الحواس الخمس، كل لحظة يعيشها اإنسان هي مجمع لحظات، أما ملامح المكان فهي دائما مهددة بالنسيان لأني كنت طوال الوقت مهدداً بأن أقتلع منه، اللحظة الزمانية أغنى من المكان، ونحن اكثر قدرة على الاحتفاظ بأوقاتنا منا بالاحتفاظ بأماكننا، بمعنى يستطيع الغزاة ان يأخذوا مدينتي، لكن لا أحد يستطيع ان يأخذ ذاكرتي، الوقت ملكي بأكمله، لكن قولي لي ماذا يفعل المرء اذا كان شعرنا كله وجيوشنا كلها، واسلحتنا كلها، وسياساتنا كلها وحكوماتنا كلها غير قادرة على حماية أماكننا؟ نحن في حقبة من التاريخ عاجزون فيها عن حماية المكان أماكننا تتساقط واحدا بعد الآخر، اما ان يحتلنا الأجنبي، أو أن يقوم منا نحن من يحتلنا بالوكالة، فأي معنى يبقى بعد ذلك للمكان؟!
أنا أزعم ان التوتر الذي يصيب المواطن العربي في المطارات العربية وحده يدمر معنى المكان عند المواطن العربي. خيالي محصن، مدينتي غير حصينة، الشاعر يستطيع ان يدافع عن خياله، كل شعر العالم، لا يستطيع ان يحرر مكانا محتلا.

 

-       رأيت رام الله

 

-       *** كتابك «رأيت رام الله» الحائز على جائزة نجيب محفوظ في الأدب العام 1987 يحكي رحلة عذاب الفلسطيني وحكاية غيابك عن مدينتك لـ 30 عاما .. ماذا عن هذا الكتاب الذي ترجم الى عدة لغات؟

 

-       - هو كتاب يحكي قصة غيابي عن رام الله لثلاثين عاما، وهي التي غادرتها في التاسعة عشر من عمري، فأنا كتبت «رأيت رام الله» لأقول ما فعله غياب المكان ولم اكتب عن المكان، عندما تعود لبناية، لا تعود للحجر والحديد، انت تعود للوقت الذي عشته فيه فمن يحلم بالعودة لأماكن الطفولة يود العودة الى الطفولة نفسها، وهذا مستحيل، «الأهبل» فقط هو من يعتقد بامكانية عيش اللحظة مرتين!.
فأنا لم أرد تسجيل التغيرات التي المت بمدينة رام الله، كنت اكتب التغيرات التي المت بي خلال ثلاثين عاما، بعض من كتبوا عن رام الله ابدوا حزنهم لتغير المعمار والبناء في رام الله وتحسروا على غياب البيوت القديمة والحواكير، وهي عاطفة مفهومة، واستطيع ان اقدر الوجع الذي تسببه لاصحابها واحيانا كتب هذا المعنى لديهم بلغة جميلة أيضا، لكن أنا شخصيا «زعلان» لأن رام الله لم تنمو أكثر، أصلا الاحتلال قام باعاقة نمو مدننا طوال هذه السنوات، هو يريد ان تظل «ريفا»، وان يظل الاحتلال هو الذي يضع المدائن، انا لا اريد لمدننا ان تظل قرى مقنعة، ليكن هناك اسمنت وشوارع وازدحام .. علينا الا نفخر بأننا ريف الدنيا.. ثم معظم مدن الدنيا بشكل ريفي، قروي، رعوي، واصبحت مدن «متطورة وحديثة» انا اعتقد بان لدينا فكرة جاهزة ومسبقة بان التطور والتصنيع يسيء للطبيعة والبراءة، لو تأملنا قليلا بدواخلنا لوجدنا اننا غير منزعجين حقيقة من هذا التطور.
انا مع المدينة وعلاقات المدينة، ومشكلة مدننا الآن ان معظم سكانها من اصول ريفية، فبدلا من اكتساب عادات المدينة، احضروا معهم عادات الريف، والآن مواصفات الشخص الجيد ابن الاصول والمحترم هو ذلك الشخص الممل الذي يواصل كل التزاماته الريفية في المدينة، ربط المحبة بالطبخ والولائم، والواجبات التي تؤدى بغض النظر عن الموقف من صاحبها.

 

-       *** فن «العنونة» يعد كتابة متميزة لديك فالعنوان نص قائم بذاته سواء في اختيار عناوين دواوينك او قصائدك.. ايهما يولد اولا العنوان ام القصيدة؟

 

-       - العنوان يولد بعد القصيدة، لم اكتب عنوانا قبل القصيدة، ولم يسبق ان عنونت ديوانا قبل كتابته.. واحب الابتعاد عن العنوان «المثقفاني» اختار عناوين بسيطة، وبعض العناوين كان لها مغزى معين، مثلا «قصائد الرصيف» كان وراء التسمية ذهاب الشارع العريض باتجاه القصيدة الوطنية بتعريفاتها التي لا اقرها، فقلت لكم هذا الشارع، ليكن، سأجلس على رصيفي، واكتب بطريقتي، وهذا الأمر كان قبل ربع قرن، وما زلت متشبثا بزاويتي على الرصيف تاركا الشارع لأهله.
اختار عدة عناوين انتخب من بينها احدها، وبالتأكيد اسأل الاصدقاء والاسرة الا انني اختار العنوان المقترح بنفسي.

 

-       ***  ترتبط بعض الدواوين بقصص واحداث خاصة.. هل لك ان تحدثنا عن قصة ديوان لديك؟

 

-       - ابرز حدث هو ديواني «قصائد الرصيف» احدث انقلابا في اسلوب كتابتي ولم يكن السبب في ذلك اي طاعة من جانبي لاي نظرية نقدية لا عربية ولا اوروبية، ولم يكن وليد قرار مني بالتجديد في اسلوبي، فالتجديد لا يأتي بقرار، ولا يأتي رضوخا لنظريات. قصة هذا الديوان تفسر التغير الهائل الذي شكله، ففي عام 1977 قامت سلطات السادات بترحيلي من القاهرة ليلة زيارة السادات لاسرائيل، وتم ترحيلي بملابسي فقط، بلا نقود، الى جهة اختارتها السلطات المصرية وهي بغداد وكنت اراها للمرة الاولى في حياتي، وفي احد فنادق بغداد وجدت نفسي مقتلعا من عالمي بأكمله الاسري والجغرافي والاقتصادي والمجتمعي. واذا بي ابدأ كل ليلة وكل صباح في كتابة قطع قصيرة من الشعر، وعندما انتهيت منها ادركت انني انتقلت من الشكل المألوف والشائع في كتابة قصيدتي التي كانت تشبه كل القصائد الفلسطينية - آنذاك - الى شكل آخر لا يشبه دواويني الاربعة السابقة، وازعم انه لا يشبه معظم ما كان يكتب وقتها
اهتزازي بالكامل كفرد.. هز مفاهيمي تجاه الكتابة، فالبدء دائما لما يحدث في داخلي وحواسي، ابدأ من جسدي واثر العالم عليه، اذ لم يعد ممكنا ان اكتب الحياة على نمط مألوف، في الوقت الذي اصابني ما كنت اراه امرا غير مألوف على الاطلاق.

 

-       علاقتي بالوطن!

 

-       *** كيف تصف علاقتك بالوطن الذي اصبح «ذاكرة» في تلافيف الشاعر مريد البرغوثي؟

 

-       - علاقة الوطن بالمواطن علاقة فيها طرفان، هذه العلاقة فيها جانب تعاقدي حتى لو لم نكن واعين به، عندما تتحكم سلطة غاشمة في الوطن بحيث انه يحول مواطنه الى ضحية مسلوبة الحقوق، معطلة الارادة، تسقط القداسة كصفة للوطن، هناك نتوقف علاقة المواطن بوطنه عن كونها علاقة "مبايعة" يجب ان تتحول الى علاقة "انتقادية"، اذا اساء الوطن لابنائه وغالبا هو يسيء بواسطة اصحاب القرار فيه، فالدور الشريف الوحيد للانسان ان يكون انتقاديا، بالتالي لا امدح كل شيء في الوطن، ان الواجب الاخلاقي للكاتب هو ان ينتقد ذاته الشخصية، وذاته الاجتماعية، وذاته الجماعية التي هي «الوطن».
الحديث المقدس عن الاوطان دائما يكون ضروريا للحاكم والوزير والمرشحين للنيابة وللحزبيين، وللمتعاطين بحرقة السياسة اليومية، اما الكاتب فعليه ان يكون اول من يرى الخلل في صفحة الوطن حتى لو كان هذا الخلل في "اعلى الصفحة".
الكاتب الذي لا يرى الشرور الا بصفتها نيازك تهبط من الفضاء الخارجي على اوطاننا يساهم في اطالة عمر هذه الشرور وفي توسيع مدى الاذى وتعميمه، بعض الشر يأتي بايدينا ايضا، بل كثير منه في الواقع.
انظري حولك وحاولي أن تحصي اولئك الغرباء داخل اوطانهم، الشاعرين بانهم منفيون وهم يعيشون في قلب مدنهم.
مباهج المنفى

 

-       *** وانت الذي تعيش في المنافي.. كيف ترى المنفى الذي شهد ولادة دواوينك وسيرة حياتك، ايجابيا وسلبيا؟

 

-       - المنفى هو نتيجة من نتائج ما اسميه كسر الارادة، فالمغادر الى اي بلد لتحسين دخله الاقتصادي والعثور على وظيفة افضل، ليس منفيا، انه مهاجر اقتصادي هذا الانسان يملك ترف الحنين الرخو، لوطن تركه بارادته، وبوسعه العودة اليه في اي وقت، اما المنفي مرغما الى مكان بعيد، وتمنعه القوانين او الجيوش، او الغزاة، او الشرطة، من العودة الى مكانه الاول فهذا هو المنفي، هذا الشخص لا يشعر بذلك الحنين الى الوطن، هذا الشخص يشعر بالغضب، المنفي هو كسر الارادة، وهذا لا يؤدي الى الحنين بل يؤدي الى السخط، وبالتالي انا لا اكتب باي حنين رخو الى الاماكن التي اتركها، ولم اكتب بحنين رخو الى رام الله، في «رأيت رام الله».
عندما تكون ارادة الانسان اضعف من ارادة قاهرة فالحنين تفاهة وادعاء، الشعور الذي اراه ممكنا في هذه الحالة هو الغضب، والرغبة في المساهمة بأية طريقة من الطرق لتغيير الوضع.
انا ايضا لا اهجو كل شيء في المنافي، المنافي لها مباهجها ايضا، فالثقافات الاخرى، واساليب الحيوات الاخرى لها مفاتنها، ولها علينا فضل الدهشة بالجديد الذي نراه، اذ تمنحنا القدرة على قبول المختلف، وقد اختلطت باقوام من مختلف الثقافات والاديان، من الزرادشت وعبدة النار والسيخ، الى الخليط الهندي الاسود في اميركا اللاتينية، الى التعدد الثقافي الواسع في الدول العربية والاوروبية، ولم اشعر للحظة انني عاجز عن فهم تنوع اساليب الحياة وتنوع اشكال السلم الاخلاقي لدى الجماعات المختلفة، فالمرء يكتشف انه لا يوجد شيء اسمه «الاخلاق» كتعريف واحد مطلق، فهناك قيم اخلاقية لكل جماعة بشرية ترتضيها فيما بينها، القيم قد تتغير عندما يمر عليها الزمن والتاريخ. اصبحت اكثر تسامحاً مع الذين لا يشبهونني، وكأي انسان عاقل، فإنني لا اعد نفسي ولا أعد قومي مسطرة تقاس بها الخطوط المستقيمة. ان لي عيوبي ولقومي عيوبهم، ولا تبدأ كتابة فاعلة ومؤثرة الا من الاعتراف بهذا.

 

-       *** افردت مساحة لعلاقة الشاعر مريد برغوثي بالمرأة.. في كتابك «رأيت رام الله» الان كيف ترى الى هذه العلاقة؟

 

-       - في الواقع اؤمن بالعلاقة الندية بين الطرفين، وعلاقة الرجل بالمرأة يجب ان تكون علاقة ندية ايضا بين طرفين، الندية هنا ترتكز على سقوط فكرة التفوق - تقدم احدهما على الاخر - اعتبر ان تقديس المرأة في بعض الكتابات هو الطريقة الخبيثة للحط من شأنها، ان رفعها عن مستوى الارض البشرية هو اشبه بالشنق، واعتقد ان هذا تحديداً ما كان يفعله نزار قباني، هذا من ناحية، اما النظرة الدونية التي يمتلكها بعض الرجال للمرأة وهي شائعة لدينا، وفي الغرب عموما - وليس فقط لدى العرب، فهذا ما