مريد البرغوثي

ترك أتباعاً ولم يتبع أحداً

مقدمة كتاب "سأكون بين اللوز" للراحل حسين البرغوثي

طبعة القاهرة

 

كان على الموت أن لا يعمّ ويشيع فينا إلى هذا الحد حتى يكون موت الشاعر "واضحاً"، وحتى ترتفع جنازته على ما يستحقه من ضوء. كان على الموت أن يُخْلي الأرصفة من الشهداء ليوم واحد على الأقل، ويباعد بين أغصانهم بيديه، حتى نتمكن من رؤية القادم الجديد، الآتي من جنائن اللوز، وتقديم التحية لنعشه الخفيف، نعشه الحساس، نعشه الموهوب، والتعبير عن امتناننا لما مثّله في وعورة حياتنا من صحو وندى، ولمباركة اختلافه عن صورة الشاعر "القديم"، وعن صورة الشاعر "الحديث" أيضاً، فقد صنع لنفسه صورته التي كانت صورته حقاً، الفيلسوف، المشاغب، الهادئ، الصاخب، الناقد، القوي، الهش، الأستاذ، التلميذ الذي صنع أتباعاً، ولم يتبع أحداً. كان على الموت أن يجعل فوزه بالشاعر مدوياً وراعداً وأن يفسح الطريق لوداعه بحيث تقف نجوم القرى وقفة الحرس، وضوء القمر يجرح، كما يجرح حد البلطة قالب الرخام، معلناً هبوط موسيقاه من جنائن اللوز في سفوح قريته إلى جنائن اللوز في خياله.

 

يشكو الشاعر الوسيم من ألم غريب يشخصه الطبيب عارضاً من اثنين: إما الإيدز أو السرطان. عليه الآن أن ينتظر النتيجة الرهيبة من يدي ممرضة خاصمتها الوسامة وتركت لها ملامح لا تشجع على التفاؤل بأي شيء تكون هي مصدراً له. عندما يتأكد من براءته من الإيدز يرقص مبتهجاً... بالسرطان. السرطان معركته "وحده"، لن يشمل ابنه "آثر" ولا زوجته "بترا". كان آثر في لحظات فرحه يزغدم أأو، أأو أأو فأخذ حسين ينط في شوارع رام الله مردداً أأو، أأو أأو، مؤجلاً إدراك معنى السرطان إلى أجل لا يرغب في تسميته أو تحديده، ويبدأ استعداده الأسطوري للموت ونتابعه وهو "يمشي نحو مصيره وحده".

ويحسن التوقف عند هذه الجملة قليلاً " يمشي نحو مصيره وحده".

إنها جملة عادية قد ترد على خاطر كتاب عديدين وقد نصادفها في أكثر من كتاب أو صحيفة لكن حسين البرغوثي لا يستخدمها قبل ان يضعها في سياق قادر على جعلها ضرورية لا يمكن استبدالها، وكأنها تقال للمرة الأولى. إنه يخرجها من الابتذال اليومي الناجم عن فرط الاستعمال ويعيد تقديمها مؤثرة ومقنعة وقابلة للتصديق، طازجة، تلمع، لا كصرخة او دمعة بل كجملة قيلت "في مكانها"، تماماً:

 "لم يعد لي مكان في كل هذه الانتفاضة، إلا التردد بشكل ممل أيضاً، على مستشفى رام الله، فهو الآن كعبتي أو حائط مبكاي الأخير. هناك متسع لي بين الولادات الجديدة في الطابق العلوي، وبين ثلاجة الموتى تحت...جرحى وشهداء، وأنا تائه أسأل عن دكتور أمراض الدم، فترد ممرضة متوترة" نحن في حالة طوارئ، الا ترى؟" فأدرك أنني شخص زائد عن الحاجة، مريض متطفل [يمشي نحو مصيره وحده]".

 

يأخذنا نثر حسين البرغوثي (1954 – 2002) إلى الشعر دون أن يبدو على خطاه أو على خطانا تعب الطريق. كأنه علبة ألوان مائية لا تترك مألوفا على حاله. إنه يكتب بلغة لا مثيل لها عن "كوبر" قريته الصغيرة التي لها مائة مثيل، فيخرجها من النمط ويدخلها في الفرادة والسحر، فلا تعود جبالها وجنائنها ووديانها وأشجار اللوز فيها مما ألفت أعيننا أو ذاكرتنا بل تتجسد أمام أعيننا أسطورةً وخيالاً كأننا لم نر جبلاً ولا شجراً ولا ينابيع من قبل. كأن "كوبر" وحدها هي المحاطة بهذه التضاريس والأسرار، كأنه وحده القادر على إدخالها في الغمام وفي الصحو وفي الأمل وفي اليأس معاً. وكأنه يطلق بيديه على عشبها غزلانه وغريرياته وغيلانه وضباعه وقططه وقصصه وقصص الأسلاف، كأنه صاحبها يلعن فيها شركة الكهرباء و"شركة الثلج" وشركة التاريخ. هو الذي يعود إليها بعد غربة ثلاثين عاماً مستعيداً ذلك "الجمال الذي تمت خيانته" ليعيش شهوره الباقية بين اللوز او ليمتد فيها كما "يمتد الزيتون في الزيت". إنه يكتب تجربة تراجيدية كتابةً "ممتعة". وهي ممتعة لأنها كتابة نجت من التبسيط والتسطيح اللذين يقتلان أي عمل أدبي. ثم إنها ممتعة لأن وراءها معرفة عميقة بالنفس البشرية وبالحياة في هذا الكون، وكل كتابة لا تفضي إلى متعة التلقي، لا يعوََّل عليها.  

 

يتركنا الشاعر في حيرة من لا يعرف إن كان كتابه هذا عن عودة متأخرة إلى المكان أم عن غيابه المبكّر فيه. لا تنتظر من حسين البرغوثي شعاراً أو هتافاً أو تبشيراً، إنه فقط عائد إلى جنائن اللوز في "كوبر" لكي ينهي عمره عندها و"ينضج" مع ثمارها، وفي هذه البرهة الشخصية الحميمة سوف تتجسد البلاد كلها وتصعد مع الكلام وبه إلى ما يشبه السحر والأسطورة بدءاً من قمرها الذي لا يشبه أضواء النيون في المستوطنات، وكهوفها المائية التي لا تزال تستقر فيها عظام الأسلاف، وطيورها وأشجارها وحيواناتها ورعيانها وربابة الجد والنايات التي تسمعها ولا تراها. في كتابه عن الموت يرسلنا الشاعر إلى "ثقافة الحياة" إذ يبعثها في كل ما تراه العين وتسمعه الأذن وتلمسه الأيدي والخطى وما تحض عليه أسئلة الأرض والسماء. [قال بول كلي، مرة: إن الرسام لا يرسم المرئيّ، بل "يجعله مرئيا"]. في هذا الكتاب يرسم حسين البرغوثي الحياة ذاتها فيجعلها مرئية ويرسم فلسطين فيجعلها مرئية بمباهجها وأوجاعها وعبارتها في التاريخ الذي كل نهاية له ترجعه إلى بداياته. هنا تجليات روح تلوذ بأنبياء كان لا بد أن يطلعوا من وعورة الليل وجبال الألغاز، كما تلوذ "بصحن سلطة" صغير يجمع الشاعر خضارها من جنائن الدار فيغدو احتفالاً ديونيسياً بالحياة وملمحاً من ملامح الخلود والرضى. هنا كل شيء عتيق وراسخ وله اسمه الذي لا يغيره الغزاة الطارئون ولو غيروه. هنا أب وطفل يتبادلان التلاعب بالواقع الواقعي فيصبح الفارق بينهما وهماً ساحراً، هنا علاقة العشاق بمدن أسمائهم وهنا أملوحات فلاحين أشداء لا يتقنون العيش بلا طرائف يومية وفصاحات لا مثيل لها في المجامع. هنا أسرار "الدير الجواني" وألغازه الساحرة وأفعى زعراء تطير وتقتل الرجل على حصانه. هنا ضباع تضبع ضحاياها من سراة الليل فيظن الواحد منهم أن الضبع أبوه فيتبعه حتى يرتطم رأسه بسقف وكره فيصحو. هنا قطاع طرق وشعراء وتواريخ عائلية تربطها الأساطير بالغابرين من الفلاسفة والأباطرة وأرواح الشياطين وطقوس الطبيعة ذات الشراسة والحنان. هنا الأدوية المؤلمة والعلاج الكيماوي وبياض المستشفى وبرتقالة بجوار سرير الشاعر ينظر إليها أحد العابرين بنفور لأنها برتقالة مريض. هنا يعيش كل الموتى القدماء في أنواع الصمت الصاعد من البراري وفي بكاء حيوان الغريريا الصغير الممتد في الجبال والوديان وفي موسيقى الربابات وجذور الأشجار وهدير العتمة الممطرة وإليهم سوف ينضم جسد الشاعر عندما "ينوّر" مع اللوز في موعده المنتظر، ولهذا عاد إلى هنا ليموت أو ليولد لا فرق فقد استطاعت كتابة الشاعر أن تسقط الحد بين العذابين أو النعيمين اللذين يبدآن بالبكاء.  

حسين جميل البرغوثي، أنت لا تحتاج كلماتنا الآن. نحن نحتاج كلماتك.

 

مريد البرغوثي

القاهرة، يناير 2007