مريد البرغوثي

النهر لا ينبع من مصبه

قَوْلٌ في  الشعر  و "مجتمع الكارثة"

هامشٌ أوّل:

جِئتُ إلى الشعرِ مِن الباب الشخصيّ. أوَّلُ قصيدةٍ كتبتُها في سنواتي المدرسية كانت قصيدة فكاهيّة حول سيدات العائلة اللواتي تَعَوَّدْتُ على مشاهدتهن، طوال العام، وفي أيديهن السنّارةُ وخيوطُ الصوف، ينسجن الكنزات، بِغَضِّ النظر عن المناسبة الإجتماعية، زيارةِ مريض، تهنئةٍ بالنجاح، سلامٍ على قادم من سفر، الخ. كنت في الصفوف الإعدادية آنذاك. وتناقلت النسوة بالتضاحك والاهتمام أخبارَ القصيدة: "شفْتِن ابن "سكينة" الله يغضب عليه؟" وبعد دراستي الجامعية، عندما كنت أعد ديواني الأول للنشر، كان هاجسي هو "معمار" القصيدة، كيف "تنشغل"، كيف "تتسلسل" من بدايتها الى الضربة الأخيرة، كيف تُصنَع. وكتبتُ عن كل ما أردْت، عن طائر، عن أسطورة، عن بلقيس، عن فاجرات بملابس شديدة الإحتشام، كان البناء لا الغناء هاجسي الأول الذي يثير خيالي. مع تأثّرٍ بالشعر الإنجليزي الذي كنت أدرسه في جامعة القاهرة وتحديدا شعر ت. س. إليوت. بعض القصائد سردي وبعضها درامي وبعضها رمزي وبعضها حول الحب. وكانت الإشارات للحال الفلسطينية مخبأة بحيل فنية كثيرة. كنت أظن أن عملي مختلفٌ عن أعمال شعراءِ تلك الفترة. وأضيف هنا أن القصيدة الطويلة رضوى التي ستظهر في ديواني الثاني مباشرة كانت تتناول علاقتي بزوجتي رضوى عاشور وهي نص شخصي حميم وطويل نُشِرَتْ (على امتداد ثلاثة أشهرٍ متتابعة في مجلة "الكاتب" في القاهرة مع مقدمة لكل جزء كتبتها الدكتورة لطيفة الزيات.) قبل ربع قرن كامل.

هامشٌ ثانٍ:

في نهاية الستينات أرسلتُ قصيدتين للنشر في مجلة "الكاتب" أيضاً. واحدة بعنوان الطوفان وإعادة التكوين وهي قصيدة تركيبية تستلهم البناء السيمفوني، مكونة من خمس حركات، متعددة الأوزان بما في ذلك مقاطع نثرية صغيرة. والقصيدة سردية دراميّة  تُصَوِّرُ عبر رموز وأساطير ومشاهد واقعية وتاريخية عالَماً متوتراً، أما الثانية فكانت قصيدة غنائية بسيطة جداً عنوانها الفلسطينيون والقصيدتان ضمهما فيما بعد ديواني الأول الذي حمل عنوان الأولى منهما. قامت المجلة بنشر الثانية ورفضت نشر القصيدة الأولى. بعد فترة طويلة التقيت بناقدٍ مرموق من مستشاري "الكاتب" فقال لي انه وجد القصيدة الأولى معقدة وغريبة عن شعرنا بينما القصيدة الثانية – "إنت كاتبها براحتك وسلسة وفيها موقف، ولذلك اخترناها و"أريدكَ أن تستمرّ في هذا الخط".

هامش ثالث:

عندما طلب مني الصديق محمود درويش أن أكتب "للكرمل" شهادة حول ما تعنيه فلسطين شعرياً بالنسبة لي وجدتني أقول لنفسي:

"وما الذي تعنيه فنلندا مثلاً للشاعر الفنلندي؟"

ولم يكن لسؤالٍ من هذا الطراز أن يخطر على البال لو لم تكن فنلندا وطنا هادئاً في مكانه وفلسطين وطناً هائجاً يبحث عن حياته وأهله وزمانه و- مكانه.

السؤال يستدعي، تلقائيا، التذكير بالفرق بين الشعر في السياق "الطبيعي" للمجتمع من جهة، وفي سياق "الطوارئ الدائمة" من جهة أخرى.

هل يواجه الشاعر الفنلندي "مشكلة الوطن" في الشعر كما يواجهها ابن العالم الثالث أوالعربي أو الفلسطيني؟

***

الشعر في مجتمع الكارثة

 

فلسطين واقفة على الحافّة. هي حاضرة. هي مُلغاة. هي النكبة. هي المقاومة. هي متاحة. هي ممنوعة. هي خائفة، هي مخيفة. هي تفقد اسمها يوميّاً مع كل نشرة أخبار- يقول لك المراسل الصحفي إن عشرين قتيلاً وجريحاً سقطوا أمس في الويست بانك! - هي مناطق الحكم الذاتي، هي المناطق (هكذا)، هي عرب الـ 48 هي المنطقة أ، ب، ج! الخ. الخ. هي القرميد وهي الزنك. هي هوية أهلها. هي فقدانهم الكامل للهوية. هي ذهابنا مضطرين إلى الأمل وذهابنا مضطرين إلى اليأس. هي مشكلةُ إنسانها من الرضعةِ الأولى إلى الشهقةِ الأخيرة. الموت فيها لا يقع لأسبابٍ طبيعيةٍ كالشيخوخة والمرض وحوادث الطرق. الموت هنا ينتسب، يقيم، يتجول في الأرض وفي المنفى، يمارس حياته العادية بيننا ويُحَدِّقُ في وجوهنا جميعاً، فيجعل البَلَدَ  تُطالِبُ عكّازَ الشيخ وطَرْحَة العجوز ورضّاعةَ الطفل بالتذكُّر اليوميّ، بالنسيان اليوميّ، وبما هو أقسى من ذلك كلّه: بالبطولة ...اليومية!

هذه حافة الحياة أو هي الحياة على الحافة. إنها الطوارئ الطويلة جداً. والسؤال هنا هو سؤال عن الشعر في "مجتمع الكارثة". عن بشر تتعرض حياتهم لأهوالٍ روتينيّة. حديث عن مكان تكتسب الطوارئ فيه صفة الديمومة.

 

***

وفي "مجتمع الكارثة"، تضطرب الأولويات جميعاً. بما في ذلك، طبعاً، الأولويات الثقافية والأدبية والفنية. لكن هذا الإضطراب ينبغي أن لا يحمل المغفرة لما هو باهت وممضوغ ومتوسط القيمة من أشكال الإنتاج الفني.

فلا يجوز بحجة أننا نعيش على الحافة الإستثنائية من التاريخ أن نمسخ الفن التشكيلي الى مجرد الملصق، ولا المسرح الى  الخطابة، ولا الرواية الى الأيدولوجيا، ولا الأغنية الى المارش العسكري، ولا الشعر الى الشعار الذي ترنّ حوله طبول "المتدارك" الممتلئة بهوائها وحده! ويجب التذكير القاسي هنا بأن مبدعين مرموقين في كل البلدان استطاعوا العثور على النغمة الصحيحة في عملهم الفني رغم شروط مجتمع الكارثة.

ينبغي أن يَظل، في بؤرة الزوبعة المزمنة التي تجتاح الأمم، نَفَرٌ من المبدعين يستكشفون باستمرار قدرة الفن على الإحتفاظ  بصفاته وجدارته.

وأقول بلا تردد: إنه لتحقيق هذا، ينبغي التخلص من الفكرة السيئة القائلة بأن الفن "ضرورة".

الفن مش ضروري. الشعر مش ضروري.

وليس ضرورياً أن يكون المرء بالتحديد شاعراً.

إن ملايين البشر في القارات الخمس بوسعها أن تعيش وأن تعمِّر طويلا بدون كتابة الشعر أو قراءته.

إن للشعر دوراً هاماً  في حياة البشرية. ويتفق على ذلك جميع دارسي الأدب والفن. لكنّ القولَ بـ "ضرورية" الشعر هو قولٌ خطِرٌ يؤدّي في كل الحالات إلى تشويه هذا الدور، أو غيابه الكامل. وسأوضح:

 

هل الشعر ضرورة؟

الفن ( الشعر، المسرح، الرواية، القصة القصيرة، الموسيقى، اللوحة، الفيلم السينمائي، الرقص والفنون الشعبية ) ليس سببا في بقاء الأحياء أو فنائهم. إنه سبب لجعل حياتهم أقل فجاجة وأكثر جمالا وحساسيةً وإمتاعا وإثارة. وهو يعمل بصمت وببطء على جبهة الوعي والقيم والذاكرة. الفن يخاطب حاجة البشر إلى تذوق الجميل، وتكثير التجربة الفردية  الذي يُشْعِرُهُم بأنهم أقل عزلة ووحشة.

إن الشاعر الذي يتوهم أن قصائده خبز الجائع وسلاح الأعزل ودواء المريض وأنها "تُدافع" عن الوطن ضد الأعداء، ويصرّ على تكرارها عبر أربعين ديوانا متشابها، يسرق مهنة جيوشٍ بأكملها، وشروطاً موضوعية كثيرة تلبي غريزة البقاء لا مجال لتعدادها هنا.

نعم. الشعر ليس ضرورياً. ولكن حركة الشعر العربي الحديث تحيل إلى المفارقة التالية:

 

مفارقة الحداثة الشعرية عند العرب:

من ناحية:

ـ الشعر ليس وجبة طعام. ليس احتياجا بيولوجياً غرائزياً كالخبز؛ والذاهب للشعر يذهب للمتعة الجمالية التي تقدمها القصيدة لا للضرورة التي يلبيها الرغيف أو الفائدة التي يقدمها المَطْعَم.

ومن ناحية أخرى:

ـ انها ليست صدفة أن القصيدة العربية الحديثة، خرجت الى النور في أواسط القرن العشرين، أي متزامنةً مع نكبة فلسطين ومع سعي الكيانات العربية لنيل استقلالها الوطني. وهي نفس الفترة التى شهدت صعود الرواية العربية والمسرح العربي مما يؤيد الرأي القائل بأن الأدب العربي الحديث ولد في غمار حركة التحرر العربية.

***

نعم. وُلِدَ الشعرُ الحديث في مجتمع عربيّ يَنْقُصُهُ كلُّ ما يجعل الحياةَ ممكنةً ومحتملة: الحرية السياسية والإجتماعية والإقتصادية، والاستقلال الوطني، وحرية الرأي وحق التعبير والنقد والمعارضة ومحاسبة الحاكم.

هذا الاحتياج المُلحّ الذي خيَّمَ ولا يزال يُخَيّم على عرب هذا القرن، أخرج الأدب من تَرَفِ "الجَمال" وحَصَرَهُ في شَرَفِ "الضرورة".

شاركَتْ معظمُ الرموز السياسية والثقافية والأحزاب والصحف والمهرجانات الشعرية والحركة النقدية العربية في هذا التوقع الوظائفي الذي رفع الشعر ظاهريا الى مستوى الرغيف وإجراءات الدفاع المدني. الأغلبية الصامتة العربية جائعةٌ للتعبير وإِسماعِ الصوت، ومحرومةٌ تماماً من الجهر بمواقفها. وهي ترى الشاعر صاحبَ منبرٍ ومنصةٍ وفرصة. هو سيقول بدلاً منهم، أو من أجلهم، أو مايشبه كلامهم المكبوت والمحرّم.

والوضع العام بسوئه ويأسه وهزائمه المتصلة يغري بالتلبية. ولأن تلبيةَ حاجة الجائع تتمُّ بتوفُّرِ أي نوعٍ من أنواع الخبز (الجائع لا يشترط "الباجيت")،  ولأن الإنخراط في المعارك لايشترط "التميز" الفردي تمّ الإكتفاء بقبول الدور الوطني للشعر بغض النظر عن التميز الإنساني للشاعر والتميز الفني للقصيدة وأدى ذلك كله إلى تفاقم الزهد في الترف الجمالي. إنّ وَسامَةََ الفرّان، كما نعلم، ليستْ شَرْطاً لِشِراءِ أرغفتِه.

***

وفي ظل حركة نقدية خائبةٍ أو غائبة، كان على الشعراء العرب أن يجتهدوا وحدهم وأن يرتبكوا كثيراً - وقد ارتبكنا بالفعل - في الطريق الطويل المعتم الى المعادلة الشعرية التي تحقق نوعا من التوازن بين عنصري المفارقة التاريخية تلك.

لكنّ الجدل حول طبيعة الشعر في مثل أوطاننا ما زال مستمراً. وما زال تائهاً في الشوائب ومهدداً بالسطحية التي تُعَرِّف الشعرَ بمضامينه وموضوعاته.

فالمجتمعات التي ليس لها ما تُرَكِّزُ عليه إلا الضرورة،  تُسَطِّحُ كل شئ، حتى احتياجاتها!

***

من القضيةِ "موضوعاً"، إلى زر القميص "موضوعاً"، أيضاً!!

 

في محاولته للهروب من العيوب التي لا تطاق في قصيدة الشأن الجماعي أو قصيدة المقاومة أو القصيدة الوطنية - وكلها تسمياتٌ إشكاليةٌ واختزالية نحن مضطرون لاستخدامها هنا لأسباب عملية بحتة - اختار البعض التباهي  بنبذ  الشأن الجماعي برمته؛ و"لزقوا" أنفسهم بالصمغ القوي في "موضوع" آخر هو "موضوع الذات" (تعجبني التسمية!) بأكثر مفاهيمها انغلاقا وتسطيحاً؛ فقاموا بقطع الرأس لمعالجة الصداع! 

لم يدرك دعاة شعر الذات أن دعوتهم "قديمة جداً"!  وفاتهم أنها لا تشكل "تجديدا" أو تقدماً على صعيد تطور الشعر، كما يقول لنا تاريخ الأدب العالمي. ولم يدركوا أن "تباهيهم" بموضوعهم لا يساعدنا أبداً على تصديق أنه يُشكِّلُ "مستقبلَ" الشعر. ولو صحت دعواهم لكان وليام ووردزورث هو شاعر المستقبل بلا منازع! ولكانت مدرسة "الرومانسية المتأخرة" هي مذهب القرون القادمة!

(ويا ليتهم يمتلكون موهبة ووردزورث، لقد ارتدوا الى الرومانسية التي دبّت فيها أمراض نهايتها.)

وعلى الجانب الآخر، أيضاً، لم يدرك دعاة "موضوع الوطن" الذين يحوّلون الشعر الى مواقف سياسية عارية تماماً (برافو ثورة، برافو بندقية، برافو حجر،  برافو انتفاضة، برافو طبقة عاملة والشمس ستشرق يا رفيق، أو قصائد جَلْدِ الذات وتحقيرها) أنهم أولاً: لا يجعلون قارئهم يتأثر بقضاياهم التي يتحمسون لها كثيراً؛ وثانيا:ً هم لا يستدرجون المتلقي إلى رعشة الجمال والمتعة التى لا يمكن تصوّرُ الفن بدونها. ولم يفرّق النقد العربي ( أين هو؟) بين شعر "الواقع" وشعر "الوقائع". بين "الرؤية" الإنسانية و"الرأي" السياسي.

 

***

لكن، ما هو الشعر الوطني؟ بالضبط؟

لم أتفق يوما مع المفهوم الشائع عند بعض الشعراء والنقاد والقراء حول "الشعر الوطني"، حيث الذات الفردية والجماعية للشاعر دائما على حق: شخصه، وطنه، قيادته، حزبه، عقيدته، قيمه، وجهة نظره، خياراته السياسية، حروبه وسلامه، وحتى معاهداته واتفاقياته التي يبرمها الخ الخ. كنت أرى أن هذا المفهوم يؤدي إلى منزلقات السقوط في المِثالية (فلسفيا) حتى عند القادمين من التربية الشيوعية المادية ـ ولن أذكر أمثلة! وفي القَبَلِيّة (اجتماعيا) حتى عند دعاة التعددية والحوار! وفي المبايعة (سياسيا) حتى عند بعض المعارضين! وفي ثنائية الفخر/الهجاء ( فَنّياً) حتى عند  القادمين من الحداثة أو الذاهبين إليها! وفي السلفية (منهجيا) حتى عند دعاة التمرد على الأسلاف! إنه مفهوم  يفشل في الإحاطة بأمر هام وهو أن الحياة التي يحياها البشر الحقيقيون هي ذات طبيعة شديدة التركيب وتستعصي على التبسيط والتسطيح الذي تقترفه المثالية والقبلية والمبايعة والفخر والهجاء.

والملاحَظ أن الشاعر العربي الناضج لم يحصر شعره في تمجيد الذات وهجاء العدو الخارجي (إسرائيل والإستعمار) لا لأنه يبرّئ الأعداء من جرائمهم، ولكن لأنّ الشعرَ هو طُرُقُ كتابته وليس حججه المضمونية. ثم إن الشعر معنيّ بكل حالات الحياة وأهلها على هذا الكوكب، ويلتفت بانتباه وحساسية شديدين الى   كل ما يعيقها ويؤثر في نوعيتها. العدو يؤثر فيها حتما وإلى درجة قصوى، ولكنه ليس المؤثر "الأوحد". وما زلت أذكر أن شاعرا من بلد عربي تساءل موجوعاً: "هل يجب علينا أن  نُحضِرَ إسرائيل لتحتل بلدنا أيضاً ليسمّى الشعر الذي نكتبه ثوريا ووطنيا؟"

 

***

كنت أتساءل دائماً، في هذا الزحام، إن كان التفاخر المضموني يسير في الإتجاه العفيّ أم أنه محاولة أخرى مشوَّهة لا تختلف عن النموذج الذي تعارضه من حيثُ قياسُ الشعر بموضوعاته.

 وكان عليّ أن أرتكب زلاّتٍ عديدةً قبل أن أدرك أنّ مشكلةَ القصيدة الوطنية هي مشكلة فنية. تُعالَجُ بالإتقان الفنّي، ولا تعالَجُ بإخراج الوطن من الشعر، بل بإدراجه  بشكلٍ فنيٍّ مدهشٍ وجديدٍ في الشعر.

ومفهوم الوطن هنا هو علاقة حياة الفرد بمكانه وذاكرته وبالبشر المحيطين به؛ إنها ليست النشيد العشائري الذي يجعل الوطن صَنَماً  تُقَدَّمُ له آياتُ المديح. لقد تحول "الفقراء" الى صنم يتغنى به الشعراء وتحولت "البندقية" الى صنمٍ ثانٍ و"الحَجَر" و"الإنتفاضة" إلى صنمٍ ثالثٍ ورابعٍ الخ. وقد سقطنا أو سقط معظمنا  لفترات  طالت أو قصرت في هذ المنزلق.

***

 كَسْرُ الإرادة: الرَّغْبةُ وعرقلةُ الرَّغْبة

الشاعر يكتب الحياة. فإذا اصيب وطنه بالإحتلال فإنه لا يكتب عن فكرة الإحتلال المجردة بل يواصل كتابة الحياة المجسّدة وسيصل تلقائيا إلى كتابة الكارثة حتى وهو يتناول ما ليس له علاقة مباشرة بها.

(عند لقائي الأول بالراحل إميل حبيبي في براغ قبل عشرين عاماً سألني عن معنى الحنين الى فلسطين بالنسبة لي فقلت له على الفور إن الحنين عندي لا يرتبط بالسنتمنتالية بل بكسر الإرادة. الحنين لوطن محتلّ يُجَسِّدُ كَسْرَ الإرادة. ولا يذكّرني بفردوسٍ يستعيده الخيال.)

***

يبدو لي أن جوهر المسعى الإنساني هو سعي البشر من أجل ممارسة الإرادة. وأن محنة الإنسان الكبرى تكمن في كسر الإرادة .

وتبدو المفارقة بين المسعى وخيبة المسعى قدَراً تراجيديا يفسّر حزن الشعر في العالم كله كما يفسر نزعة الانتقاد والميل للسخرية و/أو الغضب. إن الشعراء هم قومٌ فاقدو الرضى. وإذا كان الموت هو النموذج الأعلى لكسر إرادة الإنسان في الخلود فإن احتلال الأوطان يكسر الإرادة ويكسر الإيقاع اليومي ويكسر الأسلوب والمألوفات الصغيرة، والحريات البسيطة والعظمى للسكان الأصليين.

وقس على ذلك كسر الإرادة الناجم عن الفقر، السجن، التعذيب، اغتصاب الحقوق، المرض والعجز، الدكتاتوريات، والأعراف والتقاليد السمجة المتواطأ عليها، تَعَذُّر الحُب أو تَعَثُّرُه، والخيانة والخذلان والغدر الخ.

إن الحقائق المهيمنة  فيما يتعلق بعلاقة المرأة/الرجل،  اللذة/المؤسسة،  الفرد/النظام، السيد/المسود،  والحلم/الواقع،  ليست إلا ملامح من الصراع الأزلي بين الرغبة وعرقلة الرغبة، بين الإرادة وكسر الإرادة. وهذا الصراع المتعدد الملامح، هو مادة الشعر الجوهرية منذ هوميروس إلى يوم الناس هذا مهما كانت التقنيات الفنية المتَّبَعَة .

إن تناول الشواغل الإنسانية المتعلقة بمصير البشر وعلاقتهم بالوجود والموت والزمان المكان عبر الوسائط الشخصية الحميمة هو عمل الشاعر إذ يستقبل الحياة بحواسه الخمس ويرسلها فنا عبر اللغة.

***

 

الوطن ليس تجريداً مثالياً

وكل ما يحدث للوطن كأن يتعرض للاحتلال مثلاً مهم في حياة أهله. لكن ما يحدث في الوطن له أهمية مماثلة أيضا فيما يتعلق بممارسة الإرادة أو كسرها. ففي الوطن ظلم وعدل، بطولات وجرائم، وفيه من نحبهم ومن لا نطيقهم، وفيه من يخدمه وفيه من يستخدمه.

الذات الفلسطينية عندي ليست تجريداً بالمعنى اللغوي. وليست جوهرا "مثاليا" بالمعنى الفلسفي. إنها تخطئ وتصيب، يقسو عليها العالم الخارجي ويضغط؛ لكنها هي أيضا قد تقسو وتضغط على ذاتها. وقارئي محق تماما في ملاحظة هذه النظرة الانتقادية وأضيف إن عليه إدراجها في باب النقد الذاتي فلا انفصال بين النصوص ومادتها الحياتية التي تشمل الشاعر كذلك. فلسطين ليست جسما منفصلا يشار إليه، هناك، في الخارج؛ انها ليست بركة "المتوكل" ولست "البحتري". الوطن هو البشر الحقيقيون. وهو أداؤنا التاريخي والراهن. إن الوطن عندي هو الناس، هو أهله، هو "نحن".

والعلاقة بفلسطين تحيل بالضرورة الى أعدائها.

وهنا رأيتُ باستمرار أن الكوارث لا تهبط علينا "كشهابٍ يَسقط من السماء على مَشهدٍ طبيعيٍّ خلاّب". نكبة فلسطين محصّلة لحظة العدو في الزمان ولحظتنا نحن أيضا. لحظته لحظة قوة ولحظتنا لحظة ضعف وتخلّف.

أرغب في أن أقول إنّ كل كتابة باتجاه كسر قيم التخلف هي عمل وطني. وبهذا المعنى أرى أن محاولات الشعر الحديث  لتبريد اللغة  وانتقاء المفردة بدِقّة الجَرّاحين، وإخراج الكلام من مألوفه السائد في الخطاب الحاكم والقول الإعلامي السعيد، ومحاولاتهم لإغراء المجتمع على عدم الإغتباط  بأحواله، هي عمل وطني. وأرى "النظرة النقدية" للصفقة المتواطأ عليها في استخدام اللغة السياسية الدعائية  الفاجرة وفي شتى مناحي المجتمع الراهن عملاً وطنياً.

كتبْتُ في موضعٍ آخر إن اللغة "الشاعرية" الرنانة الإنشائية القائمة على التفخيم والمبالغة والتأنُّق لم تعد لغة الشعراء بل لغة الحاكمين. وسأستأذن هنا في إيراد اقتباس من مقال سابق لي نشرته بعنوان: فوضى الشعر وفوضى النقد لصلته بمفهوم الشعر الوطني أو الثوري أو شعر المقاومة كما أراه. يقول الإقتباس:

        "إن الشعر يكون مُقاوِماً حقاً عندما يكون - في نبرته وبنائه ونسيجه ورؤيته للحياة - مختلفاً عن الفهم المهيمن في السوق السياسي والإجتماعي... الشاعر الذي           يرفع اليقين إلى مصافّ الشكّ، والعموميّ الى مستوى الحواس الخمس هو الذي ينجو من التقليدية، وليس ذلك الذي يشن حملةً ضد الطغاة    باللغة نفسها التي               يهجو بها الطغاةُ خصومَهم. إن النص الأبوي المهيمن لا يمكن مواجهته، فنيّاً، بنص أبويٍّ موازٍ له، بل     بالكتابة على غير منواله".

***

أزعم أنني كنت باستمرار شديد الانتباه الى ما تتعرض له إرادة الفرد من خدوش وكسور؛ واخترت أن أقف في موضع بعيد عن إقرار الراهن الفلسطيني في بعض مراحله رغم تأييدي لعناصر مختمرة فيه في كل المراحل.

إن الاغتباط بالذات الذي ربما انسجم مع شعر العشائر والقبائل يجافي ادّعاءات الحداثة. وهو يطيل لحظة التخلف التاريخي ويضر بالذات الجماعية حتى وهو يمجدّها. كما أنه ينفي صفة الثورية عن العمل الفني.

لقد اخترت المشاركة والانتقاد معا. ولم أعامل فلسطين كقبيلة تقيس لي الرشد والغيّ. وفي وضع تتحول فيه وجهة النظر الى عقيدة لها سطوة الاصطفاف الديني شعرتُ دائما بالغربة. كنت أشم رائحة الخميرة المذهبية تنبعث من عجينة اليمين واليسار معا فلم أستطع إلا أن أكون مستقلاً. ليس لأنني أفضل من سواي، ولا لأنّ هذا أفضلُ من سواه، بل لأن "استطاعتي" توقفتْ عند هذا الحدّ. ولم أقترح يوما أن يتبّعَ نموذجي أحَد.   

***

فلسطين مكانٌ محدد ملموس، كُسِرَتْ إرادةُ أهله.

إننا نلتقط قسوة ما حدث لنا أفراداً وجماعاتٍ وآثار هذه القسوة على مجالات واسعة من مناحي الحياة المادية والنفسية والأفق التاريخي للبشر الفعليين.

ونلتقط، أيضا، ذلك المسعى المتعدد الصور لبشرٍ يسعون بمشقة وإرهاق لممارسة إرادتهم ومقاومة الخسارة والمهانة والفناء نفسه. فمن يجرؤ على القول إن كتابةَ هذا المسعى الإنسانيّ المقاوِم محرمةٌ على الشعر؟

ان التحويم الفني حول المصير الإنساني في محاولة لصياغته بكل شكل ينقل التأثير والإنتباه الى المتلقي هو مهنة الشاعر منذ هوميروس ودانتي حتى آخر قصيدة يكتبها فتى أوفتاة هذا المساء. لكن السؤال يظل: بأية مفردات؟ بأية لغة؟ بأية صيغة؟ كيف تكون القصيدة قادرة على تبرير شكلها وتبرير قيودها ورُخَصِها.  

ان الكلام "المجرّد" الجاهز هو عدو الشعر. (صحيحٌ ان الشعر يطمح في نهاية المطاف الى أن يصوغ تجريده الخاص المختلف عن التجريد المتواطأ عليه في السوق الاجتماعي، سوق الجملة وكل سوق) ولكن الشعر، فيما أتصور، لا يصل الى هذا المَصَبِّ المأمول الا عبر لغةٍ مادية، ملموسة، مجسدة، فيزيائية. لغة لا تتحدث عن الإنسانية المجردة بل عن إنسان محدد. لا عن البشر كفكرة بل عن "هذا الشخص". لغة تبتعد عن أسماء المصدر المجردة ( الانتماء الثورة الشرف الصمود التصدي التحدي البسالة الخيانة الإستقلال البطولة الغيرة السأم الأمل الانتصار المجد.. الخ الخ.)

الشعر يسعى بدَهاء للوصول الى هذه المعاني الكبرى والمجردة كدلالات نُدْرِكُها في نهاية المطاف، وليس البدء بها كأدوات عمل. فالتجريد هو المَصَبّ النهائي الذي يقودنا اليه عمل الشاعر من خلال حِيَلِهِ العديدة التى تأخذ بيد القارئ سطراً بعد سطر وخطوة بعد خطوة، وتغريه أن يرافق الشاعر في رحلة مشتركة إلى نقطة النهاية في السطر الأخير.

إن الشاعر الذي يبدأ بالتجريد ويجعله أداةً لعمله، فيقدم لنا فوراً خلاصاتٍ ومواقفَ جاهزةً ومألوفة، يقوم بجهد فارغ تماما، كذلك الذي يريد من النهر أن ينبع من مَصَبّه!

إن شكسبير لا يعتمد على مفردة "الغيرة" في عطيل ولكنه يكتب مسرحية كاملة من التفاصيل اليومية المحسوسة الملموسة ليصل إلى تجريده الخاص به حول الغيرة بعيداً عن أحكامنا المسبقة بشأنها.

يبدو لي أن الإنطلاق مما تقدمه حياة البشر على الأرض من حالات فردية شديدة التنوع والخصوصية وبعيدة عن التنميط المسبق هي واحدة من أهم المخارج المتاحة للفنان لقول شيءٍ في الشأن العام، أي شيء.

 

***

وفي تصوري، إن الالتفات للحياة الحقيقية للبشر الحقيقيين هو الكفيل "بخدش التوقع" المرتبط بشعر القضايا العامة وما يعرف بالشعر الوطني. فهؤ