مريد البرغوثي

الديمقراطيّة والإستبداد في تناول النصّ الشّعريّ

 

تكتب فتسوافا تشمبورسكا قصيدة الفكرة ذات الهاجس الفلسفيّ الى جانب قصيدة المفارقة العابرة التي تقود الى الدهشة أو الابتسام. ويرثي شيموس هيني شهداء الكفاح الايرلندي، ويكتب المقطوعات المتساوية الأسطر، ويصف فلاّحات البطاطا الى جانب نصوصه التي تقيم حوارها الحميم مع دانتي. وأراغون لايتردد في منح شكل النشيد لقصائده عن المقاومة الفرنسيّة جنبا الى جنب مع نصوصه السريالية وسيرة حبّه لزوجته.ويانيس ريتسوس الذي فتن الشعراء العرب بقصائده القصيرة وفاتهم الالتفات الى اغريقيّاته الشاسعة، لا يقلّ شأنا عن مواطنه صاحب جائزة نوبل أوديسيوس ايليتيس الذي ظلت عينه مفتوحة على مفردات الأوليمب من ايقاع وآلهة. إنهم مبدعون واثقون. انهم لا يخشون قساوسة الحداثة والمبشّرين بالنظريّات التامّة. انهم يعرفون جيدا أنّ الشاعر يواجه سؤال التجديد مع كلّ قصيدة جديدة، لأنّ كلّ قصيدة تطالب شاعرها بجماليّات خاصّة بها. وهم، في ساعات الكتابة، لا يعملون على تلبية مطالب الموضة الأحدث في "بوتيك" النقد، بل يلبّون مطالب مسوّداتهم هم . وشعرنا العربي القديم، في أوج ثقته، حمل على صفحته تواقيع نظراء لايتشابهون؛ كامرئ القيس والخنساء وأبي تمّام وأبي نواس والمتنبّي وأبي العلاء؛ وحاور المصائر والكؤوس، وتنقّل على هواه بين الجليل والعابر، وبين العمود والموشّح، وبين المقدّس والشبقيّ؛ قبل أن يدركه انحطاطه الزخرفيّ الطويل ويتأتّى عليه أن ينتظر خمسة قرون لينهض مرة أخرى.

وكان من الممكن لثورة الشعر العربي الراهنة أن تتأمّل أسئلتها الجوهرية، وأن تتحاور فيها الاقتراحات الابداعية وتتجاور، في اطار من الإختلاف الوسيم؛ لو امتلكت الثقة بالنفس التي لاغنى عنها لكل مشروع راديكاليّ هاجسه الجمال. فالتنقّل بين حريّات غزيرة واجتهادات متدفّقة بلا تأثيم ولا تحريم هو الذي يصون حيويّة الفنون وينقذها من الإنقراض. لكنّ اهتزاز ثقتها أدّى الى انشغالها بمعارك ميكروسكوبية تثير ما لا يتوحّد: الشّفقة والضحك. كأن يتمنّى صاحب اقتراح شعريّ إبادة الإقتراحات الأخرى؛ وأن يفترض ناقد ما أنّ منهجه هو المنهج الوحيد الجدير بالإعتماد وأنّ ذائقته هي ذائقة الأمة كلّها. والطرفان لا يدركان أن انتفاخ الثقة بالذات هو العلامة على امتلائها بالهواء.

يمتزج في لا وعي بعض مثقفينا أمران متناقضان ظاهريا هما اطمئنان القبيلة وتوجّس الريف. الأول يتمثّل في اخلاقيّات العصابة المحصّنة بأقفال السعادة وأوهام التأكّد، والثاني يتمثّل في التطلّع الريفيّ الذابل الى المدينة. لكن مدينتنا ترى نفسها ريفا للعالم الغربيّ وتنظر نظرة انكسار وانبهار الى منجزات سواها. ولهذا فإن أصحاب الوصفة الابداعية الجاهزة يقتلون على سياجهم المطمئنّ كلّ العصافيرالقلقة التي لم يصدروا لها هم بطاقة الهويّة وإذن المرور. والشاعر الفلاني يناضل لا ليكتشف كواكب جديدة في عالم الشعر بل للإلتحاق بمواكب شيوخ الطرق الشعرية الرّائجة؛ ليقيم الشيخ واللاهث وراء الشيخ احتفالات النفاق المشترك حيث ينثر كلّ منهما النّرجس على أكتاف صاحبه. كأنّ الشاعر التابع ريف والشاعر المتبوع هو المدينة؛ لكنهما معا، بسبب غياب الثّقة بالنفس، تابعان.

والمسألة لا تقتصر على الشعر وحده. ان نفرا غير قليل من المجدّدين في الرواية العربية يخشون استخدام الحكاية أو السرد الواقعي أوالسياق البوليسي أو المواضيع التاريخية أو الفلسفية كتلك التي "لا يخشاها" مجدّد واثق "كأومبرتو ايكو" مثلا.

إن شعوبا سلب منها حق المشاركة في صياغة مصيرها طوال قرون عديدة لابد أن تفقد ثقتها بذاتها. وإن كثيرا من مبدعيها ونقّادها لن يستطيعوا ممارسة الحريات الفنية المتاحة للمبتكرين الأحرار.

وفي ثقافة الحزب الأوحد والزعيم الأوحد والشاعر الأوحد والحبيب الأوحد والحقيقة الواحدة لا ينجو من الخوف والارتباك شيء بما في ذلك قراءة نصّ أو كتابته. إن حداثة القشور ألحقت ضررا بثقافتنا أدّى الى اختصار السياسة في الهجاء واختصار المرأة في الجنس. فهل هذا هو المستقبل أم الماضي ؟

إن ازدراء التعددية عندنا أمر لا تمارسه النخبة السياسية المهيمنة وحدها. النخبة المعارضة أيضا ترفض التعددية. وفي المجال الثقافي  يرفضها المجدّدون كما يرفضها  التقليديون بالضبط. إنه نسق فكريّ أصوليّ بامتياز حتى لو ارتدى قناع الحداثة.

هناك مدخلان لتناول النص الشعري: مدخل استبدادي ومدخل ديمقراطي.

المدخل الأول مسبق ومغلق، صاحبه يكوّن رأيه في النص "قبل" التعامل معه. انه لا يفكّر فيما يرى بل يرى ما يفكّر فيه. وهذا ما اعتاد أن يرتكبه كلّ من يريد تحويل أيدولوجيته الى ذائقة جمالية؛ أو من يريد تحويل ذائقته الجمالية الى أيدولوجيا. وهذا واحد من تعريفات الاستبداد. إن شاعرا ذائع الصيت قد يكتب قصيدة رديئة، لكن أفراد "قبيلته" من نقّاد وصحفيين يهرولون للتهليل لها أيضا وكأنهم ليسوا بحاجة لقراءتها أصلا. يكفيهم أنها من انتاجه لتكون كاملة الأوصاف و..تفتنهم. إن هذا السلوك هو سلوك عصابة سعيدة. العيب هو عيب "الآخرين". "نحن" دائما على حق. وهذه  ال"نحن" لاتشمل المهيمن الذائع الصيت فقط. انها تشمل الحداثي والتجريبيّ الرّضيع أيضا عندما يتوهّم أن حداثته هي القول الفصل الذي لا قول بعده وأن تجريبيّته هي التتويج النهائيّ لمسيرة الشعر في العالم!

أما الثاني فهو تناول طازج متفتّح. صاحبه يسلم نفسه للنص الشعري بقوانين ذلك النص لا بقوانين الأرفف الملساء. انه يضع مسلّماته النقدية جانبا ( لبعض الوقت ) مهما كانت جدارتها ليدخل دخولا "بريئا " (ومؤقّتا أيضا) الى الإقتراح الفنّي الذي تطرحه القصيدة. أصحاب هذا الاتجاه هم الأكثر وعيا بحريّتهم وبحريّة الفن معا. وهم الذين يدركون أن بوسعنا تعليب عصير البرتقال  وليس النظريات الابداعية. ويدركون أيضا أن التعميم الوحيد الذي يمكن تعميمه باطمئنان هو أنه لا وصفة في الفن.

لم يعبأ العقّاد بهيمنة شوقي فشنّ عليه هجمته المعروفة. لكنّ العقاد ،بعد ذلك، اتّخذ موقفا معلّبا من صلاح عبد الصبور ؛ وأحال اقتراحه الشعري الى لجنة النثر "للإختصاص". (وهنا أفتح قوسا لتحية شيخ من شيوخ النقد الديمقراطي هو احسان عباس الذي رغم تدريبه الكلاسيكي كان ابرز وأول المرحّبين بشعر الحداثة المتمرّد على الذائقة الكلاسيكية كلّها في أواسط هذا القرن. وهو الآن ينظر باحترام الى تجربة قصيدة النثر) لقد تجاوزت أسئلة الشعر وأسئلة النقد الآن واقعة شوقي والعقاد وعبد الصبور؛ لكن لهاّ دلالة لا يمكن اغفالها في الحديث عن "تناول النص الشعري

ان لدى العقاد اطمئنانا معدنيّا بشان الشعر يشبه اطمئنان الوتد. مأزق العقاد ، وهو أيضا مأزق  العديد من وعّاظ الحداثة الآن، أنّ الشعر "متغيّر"  بينما مدخلهم لتناوله مهيّأ "سلفا".  إنّ دخول النقّاد والقرّاء من منطلق البراءة الى قراءة  السياب أدّى الى اقرار اقتراحه الشعري المختلف عن اقتراح المتنبي. ولولا هذه البراءة لما تم الاعتراف بكافكا الذي هو ليس تولستوي أو ببازوليني الذي هو ليس ايزنشتاين أو بلوحة المهرّج لبيكاسو التي هي ليست الجرنيكا أو بفيروز التي هي ليست أم كلثوم.الخ. إن الاطمئنان الى وصفة واحدة في الفن يؤدي الى فنائه. واليقين المغلق هو الذي يفرّخ كلّ أشكال الأصوليات يمينا ويسارا.

نعرف جيّدا الإنقلاب المذهل الذي قاده بريخت بثورته على المسرح الأرسطي؛ عندما خرج على العالم بنظريته عن المسرح الملحمي، بحيث اصبح المؤرّخون يتحدثون عمّا قبل بريخت وما بعده. لكن دعونا ننصت الى ما قاله هذا المجدّد العظيم:

" يجب أن لا ننسى أنّ مسرحنا  اللاأرسطي ليس الا واحدا من أشكال المسرح؛ انه يدعم أهدافا اجتماعية معيّنة ولا يدّعي أنه النموذج الأوحد في المسرح عموما. انني شخصيا استطيع استخدام الشكلين، الأرسطي واللاأرسطي في عروض مسرحية بذاتها "

والتناول النقدي الاكثر شيوعا عندنا مرتبك في تناول الراسخ والجديد ارتباكا مركّبا. فمن  التقديس التام للأول والتجاهل التام للثاني يصبح العيب معكوسا؛ فيتم استقبال بعض الجديد الزائف بقرع طبول التمجيد والثناء المبالغ فيه (فليس كل جديد جديدا) ويتم تجاهل الراسخ الذائع الصيت (وليس كل راسخ مرفوضا). واللافت للنظر أن هناك اختلالا في النسبة بين نصيب الشعراء المرموقين عندنا من الإعلام ونصيب ابداعهم من التناول النقديّ الجادّ. الأول فائض عن الحاجة والثاني لا يلبّيها على الاطلاق.

ككل طاقات مجتمعاتنا تبدو حركة النقد الأدبيّ، في مجملها، مكبّلة. حالها كحال النقد الديني والسياسي والاجتماعي.  فعندما تصبح الأحزاب المعارضة مضحكة، والاجتهادات المخالفة للمؤسسة محرّمة، والتفكير الحر المستقل معطّلا، نستعيض عن انجاز الشئ بالحديث الإنشائيّ والإنشاديّ عنه.

ان اللغط العربيّ حول الحداثة أصبح بابليّا تختلط فيه الأضغاث. وزاد من ذلك ارتباطه بالإعلام.

فالنقد الإعلاميّ عاجز عن المراجعة الجريئة وعن الاكتشاف الجرئ. وهو لن يتورّع عن اختلاق قيمة فنية لقصيدة لمجرّد أن صاحبها ذو تاريخ شعري سابق، أو ذو منصب رفيع، أو لمجرّد أن رقيبا غبيّا اعترض على نشرها لسبب (هو دائما سبب لا فنّي) او لمجرّد تبنّيها لشكل من الأشكال أو لمضمون من المضامين.الخ.

وعندما تكون هذه القصيدة ممتازة حقّا فالنقد الإعلاميّ لا يخبرنا بماذا تميّزت.انه يرسل اشارات متضاربة للقارئ تبعده عن الشعر برمّته.

ان هناك أسئلة كثيرة حول المشهد الشعريّ والنقديّ الراهن تتعلّق بمسلّماته ومرجعيّاته  وسعة ثقوب غرباله.

فهل أجدنا قراءة الاستقرار وقراءة القلق؟

أم أنّ النقد عندنا مصاب بفكرة "المبايعة" ولم يتعوّد بعد على فكرة "الانتخاب" واختبار جدارة كل نص على حدة؟

هل استطاع أن يقيم صلة مقنعة بين وسائله النظريّة والنص المحدّد الذي يتناوله؟

هل تصدّى لهدم أصنام التمر أو رفع الأقنعة؟ ان هيبة المنجز ينبغي ان لاتتحول الى التهيّب من تجاوزه.

فجيل الروّاد مثلا فتح نوافذ واسعة وأدخل هواء نظيفا الى جملة الشعر العربي، وقدّم انجازا تاريخيا محفوظ القيمة والمقام. لكنّ مستقبل بعض شعرائه أصبح الآن وراءهم لا أمامهم. ومن ناحية أخرى ( ولأن سوق الشعر لا أبواب لها )  فان الأكثر سعادة وصراخا من بين الأجيال الشابّة اللاحقة لا يدركون الهوّة بين صلابة مزاعمهم ورخاوة نصوصهم!

ان التناول الجرئ والبرئ لهاتين الظاهرتين هو وحده الكفيل بعقلنة الهيبة والتهيّب معا؛ وهو الكفيل بجعل مرور الفيل من الغربال أمرا ينطوي على بعض الصعوبة.

مريد البرغوثي

مجلة الكرمل