|
اسرائيل ترقص والعالم يرقص لها ومعها
مريد البرغوثي: نحن ضحايا هذا الرقص
تقف على سور عكا، فتقف أمامك على الفور وفي صَفٍّ واحد علامات الإستفهام متجهة اتجاها واحدا: كيف ضاع بلد كهذا؟ سور غامق المكانة، أسود إلا قليلا. يميل مع الشاطئ، يستقيم معه ويميل ثانية فتظنه اختفى لكنه يعود للظهور في انحناءة هَوْلٍ يجعل الصوان يتمنى القدرة على أن يرتجف. يلف الدنيا وهو يحيط بمدينة واحدة. شاهق. إذا وقفتْ تحته بارجة رأتها عين الواقف فوقه مركب صيد قليل الحظ. عريض. إذا لعبت عليه كرة القدم توهمت أن الكرة لن تسقط في البحر ولا في المدينة وأنها ستظل عليه. ما الذي أتي بسيرة اللعب هنا، في هذا المقام الوقور؟ من لعب بمن؟ من خسر؟ من ربح؟ وهل هي لعبة؟ أم أنها الحرب التي خسرتها أمة بأكملها؟ هنا، تضع إصبعك على الفكرة التي تضرب جسمك كله كموجة: فلسطين لم تسقط في حرب ذات بداية ونهاية. *** فلسطين ضاعت نُعاساً الحروب الكبيرة، والحروب الصغيرة، تبدأ وتنتهي في تاريخ محدد. من حرب طروادة الى حرب البسوس الى فيتنام الى الحرب العالمية الأولى والثانية الخ. وبوضوح يليق بالعقل البشري تعرف أنك خسرت، أو تعرف انك انتصرت، ثم تفكر في الخطوة التالية. لم تأت بوارج الجيوش اليهودية وتدكّ هذا السور وتقتحمه على أهل البلد. لم تقم قوة بمحاصرة أهل فلسطين عسكريا ليرفعوا لها الرايات البيض وينتهى الأمر. لم تبدأ القصة بجيش للعدو يقابله جيش فلسطيني. فلسطين ضاعت نُعاساً. وغفلة واحتيالاً. ضاعت ببطء لا بداية له. بطء مريب. وطن تعرض للنشل كما تعرفه الأوتوبيسات أو الموالد. بخفة. بدهاء. وبتواطؤ الناظرين إلى أصابع اللص إيثاراً لسلامتهم الغالية. أصابع اللص ظلت في جيوبنا عشرات السنين. هو يكوّم المكاسب ونحن نكوّم النعاس. وفي كل يقظة حاولناها، وجدنا موتنا ورحيلنا الموحش الى المنافي والمنابذ والأخطاء. كل هذا تم ببطء يبعث على الرهبة. بطء يجعل الصوّان يتمنى القدرة على أن يرتجف. كيف تنعس أمة بأكملها؟ كيف غفلنا إلى ذلك الحدّ؟ إلى هذا الحدّ بحيث أصبح وطننا وطنهم؟ وكيف تسابق للإعتراف به الصديق والعدو، الشرق والغرب، وأخيراً الفلسطينيون والعرب أنفسهم - رسميّاً على الأقل؟ لقد ضبطنا العدو في لحظة تخلف فكري تاريخي اجتماعي اقتصادي ثقافي سياسي وعسكري وذاتي وإقليمي. لم نع ما حدث قبل حدوثه ولا لحظة حدوثه وربما لا نعيه الآن بعد حدوثه بنصف قرن! أم أننا وعينا ونعي لكننا أضعف من أن نعدل الميزان الذي مال؟ وهل سيظل مائلاً إلى الأبد؟ إلى بعض الأبد؟ إلى متى بالضبط؟ حتى الدمع يبدو غامضاً لا أومن بحكم الأجيال على الأجيال، فاللاحق كالسابق، يشترك معه في لحظة ما في الصفات ذاتها، قبل أن يقع التطور الأكيد إلى الأمام كما تقضي سنة الكون. الإحتلال العثماني لخمسة قرون، يليه البريطاني، منعا ظهور دولة فلسطينية مستقلة. ثم جاء المستوطنون اليهود الأوائل ليأخذوا وطنا لم يتبلور له كيان سياسي من قبل. (هل كان ممكنا أن تقام إسرائيل على أرض دولة مستقلة ولها كيان معترف به دولياً؟) وما تزال اللحظة على حالها! إننا لا نحاول استعادة استقلال فقدناه في معركة بل نحاول أن نستقل غدا. تاريخ يتعطل خمسمائة عام. كنا فيها جزءاً من أمة "موحدة" تحت راية بني عثمان وما زلنا بعدها جزءاً من أمة "ممزقة" تحت عشرين راية مستقلة. إنه الغموض. إنه غموض موجع كعضة الذئب. أن تخسر أرضا في معركة عسكرية، تتقاتل فيها مع جسم العدو الواضح لأيام أو شهور، هذا ليس غامضا، بل واضح ويحدث في هذه الدنيا. أما أن تخسر بلداً كاملاً في معركة غامضة لا يعرف أحد ساعة بدايتها ولا ساعة نهايتها - هي ما تزال مفتوحة - فهذا هو ما يجعل الشرف والعار والنصر والهزيمة والدمع، حتى الدمع، غامضاً. قالوا خيانة الأنظمة: لكنها وحدها لا تفسر كل شئ. فكم تبدلت أنظمة العرب في قرن من الزمان! قالوا باعوا أرضهم: ولكن لم يحدث أن باع أصحاب وطن وطنهم ولم يحدث أن اشترى غزاة وطنا بالنقود. الكذبة ليست حقيرة فقط بل هي ذريعة لتبرير عجز من أطلقوها. قالوا مؤامرة الدول الكبرى: ولماذا تمرّ المؤامرة بنجاح؟ أين كنا جميعا وهي تنفّذ؟ من منعنا من الأفعال والترتيبات الصحيحة؟ وكيف عجزنا عن مواجهتها؟ قالوا الأسلحة الفاسدة: وهل كانت العقول والنوايا التي أرسلتها صالحة؟ وبماذا نفسر حجم خسارتنا قبل وصول تلك الأساحة أصلا ولسنوات طويلة سبقتها؟ قالوا أرض بلا شعب: فهل ولد الفلسطينيون من مَجازٍ أو من غيمة؟ ألم يكن جدّي وجدّك وجدود آبائنا وأمهاتنا هناك؟ من عمّر تلك القرى والمدن والموانئ لآلاف السنين؟ من أذّن في مساجدها وقرع نواقيس كنائسها طوال قرون؟ من عصر الزيتون وملأ الجرار بالزيت وقطف التين واللوز وحرث وأطعم وأسقى؟ وهؤلاء اللاجئون في مخيمات الصفيح والزنك هل أقاموا فيها من باب ممارسة الهوايات؟ هل كانوا فرق كشافة يعشقون الخيام ويزهدون في حدائق حيفا ويافا؟ هل جاءوا إلى مخيم الأمعري والجلزون واليرموك وصبرا وشاتيلا وعين الحلوة والبقعة والوحدات وقلندية وعقبة جبر ليلعبوا الجولف أوالتزلج على الجليد؟ قالوا اليهود ضحية المحرقة النازية: ونحن، الفلسطينيين والعرب، ندين المحرقة كجريمة لايمكن نسيانها أو غفرانها قامت بها النازية (وليس نحن) لكن المستوطنة اليهودية الأولى في فلسطين أقيمت في اواسط القرن التاسع عشر، والمؤتمر الصهيوني الأول عقد في آخر القرن التاسع عشر ووعد بلفور بإنشاء دولة لليهود في فلسطين صدر قبل المحرقة النازية بربع قرن! ومتى بدأت معركتهم على وجه التحديد؟ متى انتهت؟ وهل انتهت؟ هل يجيبنا أحد؟ كيف قاومنا بحيث يكون تتويج مقاومتنا هو هذا الغموض الراهن الرهيب؟ كيف نظمنا أطول إضراب في التاريخ دام ستة أشهر كاملة، وقمنا بثورة1936 - 1939 وأنشأنا كل أنواع المنظمات والفصائل، الجهاد المقدس والهيئة العربية العليا والمجلس الإسلامي الأعلى ومنظمة التحرير الفلسطينية والعاصفة وشباب الثأر وفتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير وجبهة التحرير العربية والصاعقة والهيئة العاملة والتحقنا بحزب البعث والحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب والفصائل التي نسيتها الذاكرة وقاتلنا في معركة الكرامة وفي الأردن ولبنان وأشعلنا الإنتفاضة طوال سبع سنوات وأنشأنا حماس وعقدنا المجالس والمؤتمرات وسافرنا إلى بلاد الواق واق نشرح عدالة القضية، لينتهي وضوح ذلك كله الى هذا الغموض الراهن الرهيب؟! كيف مات على طريقها الساجد للصلاة والملحد والعسكري والمدني والمسلح والأعزل واليساري واليميني وحتى الإنتهازي والطفل والكهل والرجل والمرأة؟ كل ذلك لنصل الى هذه اللحظة من الغموض الراهن الرهيب؟ نحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق ونحن لم نخسر فلسطين في حرب بحيث نتصرف الآن كمهزومين. ونحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق بحيث ينصحنا دعاة الحواروالتطبيع أن نعمل على "إقناع" العدو ومبادلته الحجة بالحجة.لقد ضبطنا تاريخنا في لحظة كنا فيها في قاع التخلف. في قاع النعاس وفي قاع التجزئة العربية. فهل غادرنا - بعد خمسين سنة - أي قاع من هذه القيعان المهلكة؟ هل صرنا في عداد الأمم المتقدمة؟ هل فركنا أعيننا حقا من نعاس القرون ؟ هل توحد العرب؟ من منا يسره ويرضيه وضع الحريات؟ القانون؟ التعليم؟ المرور؟ الثقافة؟ الطب؟ العلوم؟ الصناعة؟ التكنولوجيا؟ الإعلام؟ العلاقات الإنسانية بين الأفراد؟ وضع الحدود؟ معاملة المطارات؟ وضع السجون؟ المعمار؟ التجارة؟ الماء؟ القمح؟ النفط؟ وضع الشعر؟ وضع النثر؟ النقد؟ السينما؟ المسرح؟ وضع اتفاقات الدفاع المشترك؟ وضع الوظيفة الحكومية؟ وضع الحكومات؟ وضع المواطنة والمواطن؟ وضع مقاولي الثورات ومقاولي الثروات؟ وضع جامعة الدول العربية؟ وضع الدول المحاصرة؟ وضع الدول غير المحاصرة على الإطلاق؟ الخ الخ. وهل هذه الأوضاع تفسرالماضي وحده أم المستقبل أيضاً؟ وهل يمكن لنا إنجاز شئ، أي شئ بهذا الرصيد الفكاهي في قرن كامل من الحزن؟ وراء كل هزيمة شخصٌ لم يتقن عمله. نعم إن وراء كل هزيمة شخصاً لم يتقن عمله. فهذا وعد فأخلف وهذا اؤتمن فخان وهذا حدّث فكذب وهذا مثقف "ثوري" يبرر تعذيب المعتقلين وهذا طالب يغش في الإمتحان وهذا "مناضل" يحترف تزوير أي انتخابات، وهذا إعلاميّ يزخرف الحطام وهذا قدّم مشورة مضللة وهذا رفض مشورة مخلصة، الخ. وجريمة الذي لا يتقن عمله لا تؤذيه وحده إنه يؤذينا كلناً ويؤذي القضية كلها. فالحي الردئ يؤذي الشهيد. والهارب يؤذي الصامد وواضع قطرة سم واحدة في الجرة يسمم الماء كله. فهل يفسر هذا أيلولة كل بطولاتنا إلى هذا الغموض الراهن الرهيب؟ ان البطولة في واحد من ارقى تعريفاتها ليست الا اتقان العمل مهما بدا صغيرا او قليل الأهمية. والبطولة أمر لا يخص نوعا محددا من البشر. كل فرد له بطولته الصغيرة أو الكبيرة إن هو أراد. إذ بوسعه ان يختار الإبتعاد عن القبح والاهتداء بالجمال الكامن فيه. وبوسعه أن يتقن الحب إن أحب والخصومة إن خاصم، والتفاوض إن فاوض والقيادة إن قاد والقتال إن قاتل والإصغاء إن أصغى والقول إن قال واللعب إن لعب والمشورة إن استشير. ساعتها نستطيع أن نواصل اليقظة والإنتباه لطرقاتنا مهما صعبت. وساعتها نستطيع إهمال دعاة تأبيد الراهن الذين يخططون للمستقبل على ضوء عجزنا الحالي وحده. أمر واحد عاجل نستطيعه الآن على الأقل والعالم يرقص في "عيد ميلاد اسرائيل": بوسعنا أن نعلن للعالم أننا ضحايا هذا الرقص. وأننا موجودون وأننا لا نقبل بهذا الظلم رغم اختلال نسبة القوى لصالح أعدائنا منذ جاءوا الى يوم الناس هذا. وأن لدينا أملا رغم كل أوصافنا وكل أوصاف العدو. أمل بالخروج من التخلف ذات يوم أو ذات جيل. وهذه مهمة مواطنين وليست مهمة الحكام وحدهم. وبوسعنا أن نواصل الإيمان الشخصي والجماعي بأن فلسطين عربية. وبوسعنا أن نقول لأطفالنا إن الخوف والتخلف لن يظلا نصيبهم الى الأبد ولا إلى بعض الأبد. وبوسعنا أن نذكّرهم بذلك المثل المذهل الذي ابتكره السابقون: "لو كانت عكا خايفة من هدير البحر، ما وقفتش ع الشط!" ذلك ونحن ندرك إلى حد اليأس والأسى أن "هدير البحر" قد ضرب عكا وانتهى الأمر. هل انتهى؟ نعلم أن عتمتها ستدوم طويلا. وأن لغز ضياعها لغز يجعل الحجر راغبا في الإرتجاف. ويجعل الدمع، حتى الدمع، يبدو غامِضاً. مريد البرغوثي مجلة أخبار الأدب
|