إدوارد سعيد: صوت التفكير المستقل

كلمة أُلقيت في جامعة كاستيلا دي لا مانشا في طليطلة - إسبانيا

مريد البرغوثي

كنت أنظر عبر الحاجز الزجاجي السميك إلي موظفة القنصلية الإسبانية في القاهرة وهي تقلب أوراق طلبي للحصول علي التأشيرة، وتطمئن إلي وجود تذكرة سفر ذهابا و إيابا لتتأكد من أنني لن أظل في إسبانيا إلي الأبد، رأيتها تقرأ نص الدعوة الرسمية الموجهة إلي من مدرسة المترجمين في طليطلة بأسبانيا، ثم، حدثت المفاجأة الصغيرة، غير الروتينية، عندما رفعت عينيها عن كومة الأوراق كلها ونظرت إلي عبر الزجاج الفاصل وهي تقول «إدوارد سعيد، إنني حزينة". سألتها: «هل تعرفين الرجل؟» قالت وفي عينيها لمعة أسي لاتشترطها وظيفتها الرسمية: «كم أحبه، لقد قرأت بعض كتبه، أحزنني موته كثيرا». ختمت الطلب وقالت: "تأمل خيراً".  شكرتها ومضيت في سبيلي وأنا أتأمل «فكرة إدوارد سعيد» و«معناه»
توقفت طويلا عند إنسانية إدوارد سعيد المفكر، الباحث عن الحقيقة بتعدد وجوهها وثراء شخصيته كفرد0 قلت : لعل الدراسات المتخصصة لأعماله تبين أن إنسانيته الأصيلة، الخالية من كل ادعاء، هي الباعث الجوهري وراء منهجه وكتاباته، وربما كانت من أقوي أسباب الحب الذي أحاطه به الناس، وفكرت فجأة في «القدس». كان لابد لفلسطيني مولود في القدس، حيث ولدت أهم ثلاث ديانات في تاريخ الإنسانية، معتمدا علي موهبة، وذكاء، وتعليم جيد يسرته له إمكانات مادية معقولة، أن يكتشف روعة التعدد الثقافي علي أرض البشر بما توفره للعقل والقلب من رحابة وتسامح وقدرة علي الإصغاء للآخر، وأن يتعلم أن يقرأ ثقافته وثقافة الآخر البعيد، وأن يكتشف قيمة الإصغاء؛ فالعازف الذي «يرسل» موسيقاه إلي الكون، يعرف كيف «يستقبل» موسيقي الآخرين0 والقدس هي الشوارع العتيقة المبلطة والحارات المسقوفة المتداخلة، التي تفضي مخارجها إلي كنائس ومساجد تتجاور مثل عائلات القرى. في القدس يقف الباص علي بعد أمتار من موقع إسراء محمد صاعدا نحو السماء، وعلي بعد أمتار أخري من موقع قيامة عيسي؛ وفي صباحات الأعياد، يلهو الأطفال بملابسهم الجديدة وكراتهم الملونة بجوار شيخوخة أسوارها التي نما عليها عشب تسقيه منذ مئات السنين قطرات الندي والصلوات؛ ولو تدحرجت كرة من يد طفل لاستقرت بجوار راهبة مرة، ولامست ذيل جلباب المؤذن مرة أخري0 في القدس تتجاور أصوات باعة الزيت والزيتون والحلوي والمخللات والجلود، مع المقدس السماوي؛ البطاقات البريدية تطير من أصابع زوار المدينة، بيضا وسمرا وسودا وصفرا، إلي أهاليهم ومحبيهم في القارات الخمس0 ابتهالات المؤمنين في القدس قواميس لموسيقي لغات الأرض0 نعم كان لابد لطفل ولد في مدينة كهذه أن يكون مؤهلا لفضح كل السرديات الأحادية، المنغلقة علي يقينها، التي لا تعرف القلق ، والمصرة علي تجاهل سواها0
القدس هي الماضي العجوز واقفا يملأ سيارته بالوقود في محطة البنزين0 القدس متحف احتمالات0 والقدس منفي بمقدار ما هي إقامة0 هل هذه صورة رومانسية لعاصمة ثقافات العالم؟ نعم0 ثمة شيء ناقص هنا ولابد من ذكره علي الفور، ولابد أن إدوارد شعر به لاحقا في سنوات نضجه وسبب له عدم الارتياح: إنه التنافس المعماري لإشهار الهويات، وتزاحم المذاهب والطوائف والتفريعات الدينية حتي داخل نفس الديانة الواحدة، مما يشكل نوعا من التفتت القائم علي عدوانية كامنة0 من هنا وجد إدوارد في «الطائفية» تهديدا لا يمكن إهماله، وكان صوته عاليا في مقاومته0 وعندما غادر القدس صبيا وبدأ رحلته مع المعرفة المنهجية كان الناقد فيه يحتار ويسأل ويقارن ويدقق فيما يري ويقرأ ويسمع و00 «يعترض»0 نعم. كان لابد لمقتلع من إيثاكاه الأولي أن يسافر نحو إيثاكا الصعبة، التي لا يمكن الوصول إليها، ولا يمكن التخلي عن الرحلة نحوها0 سيجعل رحلته نحوها كتبا تخلخل الثوابت والمسلمات، وتزعج «الغطرسة العمياء للإمبراطورية»، ومواقف فكرية وسياسية يومية معلنة بأقصي درجات الجرأة0 في طريقه إلي إيثاكا، سينتقل من مطار إلي مطار يوزع أسئلته وإجاباته علي أسماع لندن ومدريد وفيينا وبرلين وجنيف وجوهانسبرج ورام الله وبير زيت وواشنطن وشيكاجو والقاهرة وبيروت وطنطا وباريس ونيويورك، وعشرات المدن الأخري0 سيلقي محاضرات وندوات في أكثر من مائتي جامعة في أنحاء العالم، وسيصبح واحدا من ثمانية أساتذة فقط يحملون لقب «بروفيسور الجامعة» في جامعة كولومبيا، وهو أعلي لقب لعضو هيئة التدريس، سيعطينا عشرين كتابا، وسيترجم إلي إحدي وثلاثين لغة، ويأخذ من الموسيقي طباقيتها وبوليفونيتها فيدلنا علي القراءة الطباقية Contrapuntal للأعمال الأدبية، سيشرح لنا ما تتعرض له النظريات من التنشيط أو إعادة التأويل حسب تغير الزمن السياسي (تأثير لوكاتش علي فانون) فيدلنا علي «النظرية المسافرة» traveling theory سيحذر من تقديس «النص» وعزله عن «سياقه» context، ويسخر من الناقد الببغاء الذي يأخذ نظريات مشاهير النقاد في الغرب دون قراءة نقدية لتلك النظريات، ويسأل سؤاله الذي يبعث علي القشعريرة: «حسنا لقد قال فوكو ما عنده، فماذا تقول أنت؟»، وسيترك لتلاميذه مواصلة نقاش «النقد العلماني» secular criticism الذي يربط النص الأدبي بالحياة في هذا العالم الأرضي الملموس0 سيقلب الأحجار ليكشف المتواري تحتها، وسيبين لنا أن الثقافة تقود إلي الإمبريالية أيضا وتمهد لها0 سيشتبك مع خصوم شرفاء، وخصوم أقل شرفاً0
سيمضي في طرقاته وخدوش التجربة ومباهجها تتجاذبه، ويستمر في عمله كشخص لم يتعرف في حياته كلها علي ما يسمونه «الكسل»0 وعندما تباغته تقارير أطبائه بالنبأ الصاعق يضعها جانبا ويحارب خرابه الجسدي بتكثيف نشاطه واستثمار كل ساعة من العمر في الكتابة وفي خوض معاركه الفكرية بحماس أشد، لأن الطريق إلي إيثاكا طويلة و«البرابرة» (القادمون من أقبية البنتاجون البعيدة هذه المرة) يصعدون الأسوار بالفعل، ويطلقون النار علي العالم0 كان قسطنطين كافافيس محظوظا لأنه لم يعش في عالم جعله رامسفيلد وأمثاله عالما يدعو إلي الرثاء، خاليا من الأخلاق، وفقيرا حتي الخجل؛ ولكنه كان سيئ الحظ لأنه لم يعش في زمن أغنانا فيه إدوارد سعيد وشكل لنا سندا يعرف قيمته أمثالنا من أهل الهامش والصعوبات0 وإدوارد لا يحب الإقامة في المراثي، ولا يسمح للحزن أن يشل طاقته0 كان يرثي أعز أصدقائه، يسافر أحيانا آلاف الأميال للمشي في جنازاتهم، ثم يحتفظ بهم في قلبه ويواصل عمله0 في كل كتاباته عن الفلسطينيين، حتي ولو كان يكتب عن الخسارات أو المجازر أو الخذلان الغربي والعربي، تجنب إدوارد سعيد السقوط في فخ إثارة الشفقة أو رثاء الذات واستدرار العطف0 ولعل أقوي ما صاغه بشأن صورة الفلسطيني ما ختم به واحدا من أعذب كتبه وأجملها وهو كتاب «بعيدا عن السماء الأولي» الذي ضم صورا لحياة الفلسطينيين التقطتها عدسة جان موهر0 يقول إدوارد منهيا كتابه :
أميل إلي التفكير في أن هذا الكتاب لا يخبر القارئ عنا فقط، لكنه، علي نحو ما، يقرأ القارئ أيضا0 أميل إلي التفكير في أننا لسنا فقط الناس الذين يشاهدنا الآخرون في الكتاب إننا أيضا ننظر في وجوه مشاهدينا0 نحن الفلسطينيين، إذ نتعرض من بلد إلي بلد للفحص والتدقيق والحجز كجزء من الممارسة السياسية المعتادة بهدف الحط من شأننا، ومنع تحققنا الوطني إلا بصفتنا ذلك «الآخر» المختلف وغير المتكافئ، بحيث نظل باستمرار في حالة دفاعية واعتذارية، قد ننسي أننا في الوقت ذاته ننظر، ونفحص، ونقيم، ونصدر الأحكام أيضا0 نحن أكثر من مجرد موضوع لأي آخرين، لسنا مجرد أناس واقفين بشكل سلبي أمام أي أحد يريد النظر إلينا لأي سبب من الأسباب0 فإذا فشلت، في نهاية الأمر، أن تري ذلك فينا، فإننا لن نسمح لأنفسنا بالاعتقاد أن الفشل كله كان فشلنا نحن، لا0 ليس بعد الآن (الترجمة من الإنجليزية إلي العربية لمريد البرغوثي)0
إدوارد لم يكن شاعرا محترفا، وله الحق في أن يلجأ للصور التي التقطتها عدسة جان موهر للفلسطينيين ليبني عليها كتابه الجميل0 لم يكن اختياره لهذا المصور صدفة من الصدف، فموهر هو الذي تعاون من قبل مع جون بيرجر في كتابيه: طريقة أخري لقول الحكايةAnother Way of Telling ورجل سابع A Seventh Man ، لكن موهبة إدوارد الشعرية جاءتنا عبر نثره الهادئ0 لم يكن إدوارد يكتب «عن» الصور الفوتوغرافية بل يكتب «منها» كما قالت نيويورك تايمز0 بالنسبة لي، تعلمني تجربتي الخاصة مع الشعر أننا عندما «نبني» صورا فإننا، بالضرورة، وفي الوقت نفسه، نكون قد «هدمنا» صورا غيرها0 ولم أر أكثر براعة من إدوارد، هادما وبناء، في هذا الكتاب كما في غيره من مؤلفاته الأخري! هكذا ينتقل المثقف من المجرد إلي الملموس، هكذا يتدخل المثقف في شئون العالم، عالمه علي الأقل، خصوصا إذا كان مفقودا!
من أكثر ما كتبه إدوارد سعيد تأثيرا في نفسي وصفه لعودته إلي القدس في زيارة قصيرة بعد خمس وأربعين سنة من مغادرته لها، ولا أملك الإفلات من مقارنة هذه الواقعة بواقعة عودتي إلي مدينتي رام الله بعد غياب ثلاثين سنة0 ورغم أنه عاد عن طريق مطار مدينة اللد الذي تسميه إسرائيل مطار بن جوريون، وعدت أنا برا عن طريق جسر صغير علي نهر الأردن، إلا أن لحظة ملامسة «أرض الوطن» ذاتها كانت بالنسبة لكلينا أعمق تجسيد «للغربة»0 قلت في استهلال أحد فصول كتابي رأيت رام الله: «أنا أكبر من دولة إسرائيل بأربع سنوات» وأتذكر الآن أن إدوارد أكبر من دولة إسرائيل بثلاث عشرة سنة، لكن دولة الاحتلال تحرص علي أن تجعل كل شئ فيها بدءا من نقطة الحدود ينبئك بأن السيد هنا هو سواك، وأن أصابع الشرطي التي تقلب جواز سفرك الآن هي التي ستقرر مصيرك0 تساءل إدوارد كما تساءلت: «هل سيعيدوننا من حيث أتينا؟ هل سيقتادوننا إلي السجن؟ هل سيوجهون لنا تهما؟ هل سيهينوننا»؟ في مثل هذه الدقائق والثواني التي يقف فيها الفلسطيني منتظرا قرار شرطي الاحتلال تكتسب عبارة «حق تقرير المصير» بعدها الشخصي والجسدي الحميم0 تدرك علي الفور أن المسألة لا تخصك وحدك0 كل فرد يتنفس الحياة اليومية تحت الاحتلال، هو تجسيد للإرادة المنهوبة والحقوق الغائبة، والمصير المجهول0 إن التلاعب به ساسة إسرائيل والولايات المتحدة هو حياتنا الشخصية ذاتها، وهو حياتنا «كلها»0 لقد جاهرت، مع كثيرين غيري، باعتراض علي اتفاقيات أوسلو المسمومة التي نجم عنها سفك دماء كثيرة منذ إعلانها عام 1993 وعلي كل ما أفرزته من اتفاقيات جزئية ومبادرات لاحقة تتسم بالسخافة كتلك المسماة «خريطة الطريق»، لكن إدوارد سعيد كان الأكثر فصاحة والأكثر تأثيرا من أي كاتب فلسطيني آخر، في تعريتها وفضح مخاطرها في كل محفل استطاع أن يصل إليه بقدميه أو بقلمه0 حاربها بفكره ومقالاته وبأكثر من كتاب، ذلك لوعيه بضرورة «عدم السكوت» عن فضح الخديعة، وضرورة رفع الصوت دفاعا عن الحياة الحقيقية لبشر يتلاعب السياسيون بحياتهم، فرادي وجماعات0 وعندما منعت السلطة الفلسطينية كتبه وجمعت نسخها من المكتبات، قدمت، دون أن تدري، أفضل دليل علي دقة آراء إدوارد حول «صور المثقف»، وعلاقته بالقوة القابضة؛ فالذين حرضوا علي منع كتبه كانوا مثقفين أيضا (!) لكنهم مثقفون رسميون، اقتربوا من السلطة بدرجة لا تليق، فخسروا اسماءهم، ولم يفوزوا- بعد أن انتصرت الحملة المناصرة لإدوارد بإلغاء قرار المصادرة والمنع- إلا بالشعور بالخزي0 البشر عند مثقف كإدوارد سعيد ليسوا أرقاما بل هم الحياة ذاتها وقد دخلت في الأجساد، وأصبح الحفاظ عليها مرادفا للحفاظ علي الناس واحترامها احتراما لهم0 إن هذه النظرة هي النقيض الأوضح لفلسفة النفاق القائمة علي التعميم والتجريد واللغة ذات الرنين: فلسطين00 نعم0 الفلسطينيون00 لا ! فالديكتاتوريات العربية ومن يتواطأ معها من المثقفين والإعلاميين تعودت أن تتغني بـ«فلسطين» لكنها تنظر إلي كل مواطن «فلسطيني» بعين الشك؛ تعرضه للإهانة في مطاراتها، تحرمه من الوظائف ومن العمل السياسي التنظيمي وذلك ليس في سبيل أمنها فقط رغم أنه سبب أساسي، ولكن خدمة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتين تعملان علي قتل القضية الفلسطينية إلي الأبد0
نحن من منطقة انشغل أهلها في العصر الحديث وجيلا بعد جيل بحقيقة أساسية ضاغطة هي حقيقة الديكتاتورية المحلية إلي جانب حقيقة الاستعمار الذي، وإن انحسر عن بعض البقع العربية، فإنه، حتي الآن، مازال «مزمنا» في فلسطين، و«طازجا» في العراق (حيث يخاطب الحاكم الأمريكي «شعبه» العراقي عبر المترجمين!) و«مستعداً» للقفز علي بلدان أخري في المستقبل القريب0 وربما يصلح هذا تفسيراً للأهمية الإضافية التي تحظي بها كتابات إدوارد سعيد في المجتمعات العربية الإسلامية0 إن كثيرين ممن لم يقرأوا إدوارد في بلداننا يبحثون عن كتبه الآن0 لا أقصد أن أقول إن هناك إجماعاً في الشارع العربي علي آراء إدوارد بتفصيلاتها كلها، فهذا مخالف للواقع ولطبائع الأمور لكن المؤكد أن صوته ومنهجه وجرأته ستظل تشكل نوعاً من الإلهام لكثير من الباحثين الشبان ودارسي العلوم السياسية والعلاقات الدولية والنقد الثقافي وكثير من النشطاء في مواقع النضال اليومي لشعب يعيش أكثر من نصفه في المنافي ومخيمات اللاجئين، قريبا أو بعيداً عن وطنهم المحتل0 هؤلاء مؤهلون أكثر من غيرهم لفهم إدوارد سعيد الذي حول منفاه من عائق إلي ساحة قفز فوق العوائق، وغربته من سجن ملتبس إلي طاقة للنظر الواضح إلي العالم0 لقد اهتم هذا «الغريب» الفلسطيني بتأمل حياة الفكر في شروط الاقتلاع من المكان الأصلي ووضع يده علي فساد الإدانة الجاهزة للمنفي فرآه شرطا مجازيا للعيش خارج الامتيازات التي تتيحها ثقافة معينة ودافعاً إلي الاحتفاظ بضمير نقدي لا يدجن، وأنه يتيح منظارا مزدوجا من شأنه أن يمنحنا رؤية أكثر عمقا ووضوحا ودقة0 وبدلا من رخاوة الحنين والتحسر علي أي فردوس مفقود، اكتشف إدوارد طاقة المثقف علي قول الحقيقة في وجه كل صاحب سلطة، وامتلاك إحساس بالعدالة الشاملة، العدالة العالمية0 لقد دفعته كارثة وطنه الفلسطيني الصغير إلي الاهتمام بإيرلندا وكوسوفو والهند وجنوب إفريقيا وكوريا وفيتنام والكاريبي واستراليا ودول في أمريكا اللاتينية، وكل قضايا زمانه؛ ذلك أن الإحساس بالعدالة واحد لا يتجزأ0 وهذا ما يرفض أن يقتنع به أمثال برنارد لويس وإيلي فيزل وهنتجتون وغيرهم في الولايات المتحدة ومن يشبههم في بلدان العالم العربي، والمؤسف أن لدينا بالفعل من يشبههم من رموز ثقافة التواطؤ مع الحكومات الغاشمة ومع أصحاب القرار، وحيث تتفاقم ظاهرة «المثقف الخادم» بالقول حينا وبالخرس حينا، بالتوسل مرة وبالتسول مرة، ثم، وهذا هو أخطر ما في الأمر، باقتراض عنف السلطة ذاتها وممارسة هذا العنف ضد غيره من مثقفي الضفة الأخري، ضفة الضمير0
إن قدرة المثقف علي التحدي في قضية واحدة، تنسحب علي كل القضايا0 وبالنسبة لإدوارد سعيد فقد كان التحدي بذاته، كقيمة أخلاقية، مكونا أساسياً من مكونات شخصيته، إن لم يكن أبرز مكوناتها0 يقول طارق علي إنه التقي ذات يوم، عن طريق الصدفة، بطبيب إدوارد سعيد الذي قال له إنه «لا يعرف سبباً علمياً واحداً يفسر بقاء إدوارد علي قيد الحياة!»0
عندما زار إدوارد الجنوب اللبناني المحرر التقط حجرا ورماه باتجاه إسرائيل كمشاركة رمزية في انتفاضة شعبه وهو يعلم جيداً أنه سيدفع ثمن ذلك0 وبالفعل طالبت جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة بطرده من جامعة كولومبيا0 إن تماسكه المدهش يذكرك بإصرار من لا يريد مغادرة الجمع قبل أن يحكي حكايته0 ولن يسكته أمر عابر سخيف كالموت عن إتمامها0 وإدوارد لم يأخذ إذنا ليروي روايته/ روايتنا من أحد0 لقد انتزعه انتزاعا، و«دق جدران الخزان» ليعلن وجوده كاملا كما اقترح علينا غسان كنفاني ذات ظهيرة مسورة برائحة الموت في رائعته المبكرة رجال في الشمس0 سيطر علي الحق في سرد قصتنا علي أسماع العالم معلنا أن رواية المحتلين الإسرائيليين مزورة وملفقة، وأن ما يساعدهم علي انتشارها وتمريرها هو غياب روايتنا (بسبب تقصير زعمائنا وممثلينا) أو تغييبها (بسبب النفوذ الواسع لأعدائنا)0 ويبدو لي أن النظرة إلي الإنسان بصفته جوهر الفلسفة والنقد والأدب والسياسة هي عنصر مهم ضمن العناصر الأخري، التي دفعت سعيد، لا لكتابة «بعيداً عن السماء الأولي» فقط، بل لكتابة معظم أعماله بما فيها الاستشراق والثقافة والإمبريالية وكتبه عن القضية الفلسطينية ومرافعاته القديرة عن الفلسطينيين كشعب له تاريخ وحضارة هي جزء من الحضارة العربية الإسلامية المسيحية (التي عاش فيها اليهود أزهي عصورهم وأكثرها أمنا، قبل أن يعودوا لنا كمحتلين ومستوطنين وغزاة يعملون علي اقتلاعنا من وطننا)0
دفعتني السيدة الإسبانية إلي التساؤل كيف استطاع هذا اللاجئ الفلسطيني أن يصل إلي قلوب وعقول عدد كبير من المواطنين غير المتخصصين أيضاً0 لم أحاول أن أعثر علي الجواب0 فلا أحد يستطيع تفسير الجاذبية0 ربما لعبت نزعته الإنسانية ومواقفه الشجاعة وروحه الحره وحضوره الشخصي الآسر دوراً كبيراً في انتشاره لكن الأكثر إدراكا لفاعليته هم أولئك الذين يكرهونه بلا هوادة والذين حرضوا الكونجرس الأمريكي علي سن قانون يمنع تكرار نموذجه إلي الأبد0 إنهم يريدون التأكد من موته النهائي لأن غيابه عن دنيانا لا يكفي وحده لطمأنتهم إلي انتهاء «معناه» ولا إلي انتهاء «فكرته»0 صحيح أن الحملة علي إدوارد كانت وستبقي جزءاً من الحملة ضد اليسار الأمريكي بشكل عام، وعلي اليسار الأكاديمي بشكل خاص، لكن الصحيح أيضا أن «فلسطينية إدوارد» سبب إضافي للهجوم عليه؛ وهي ما كان يجمع المتعصبين اليهود مع سواهم من متعصبي المكارثية الجديدة في الولايات المتحدة علي ملاحقته ، بل وعلي المحاولة القبيحة لإنكار انتمائه الفلسطيني، وميلاده في القدس، التي عاش فيها آباؤه وأجداده مئات السنين قبل إقامة دولة إسرائيل علي أنقاض الشعب الفلسطيني وتحويل أكثر من نصفه إلي لاجئين0 إن مجد إدوارد سعيد ومتاعبه أيضا يرجعان إلي كونه المدافع الفعال عن الشعب الفلسطيني داخل القلعة الأمريكية ذاتها، المنذورة للدفاع عن الصهيونية وعن دولة الاحتلال الإسرائيلي والأكثر إنفاقاً علي تسليح إسرائيل والأكثر انصياعاً لأخطر جماعات الضغط اليهودية المتطرفة في العالم كله0 فالمنطق السائد في الولايات المتحدة، الذي تروج له وسائل الإعلام والمؤسسة الرسمية معا، هو أن الفلسطينيين جميعا إرهابيون، وأن كل ما تفعله إسرائيل صحيح، وشرعي، وقانوني، ومبرر تماماً، ولا يجوز انتقاده! وفي هذا الجو المعادي حرص إدوارد أن يقدم بقلمه ومواقفه ومناظراته ومعرفته، وحتي بأناقته الشخصية، في الملبس والمأكل، نموذجا مضادا للصورة النمطية التي تقدمها الميديا للعربي عموما وللفلسطيني بشكل خاص0
في 21 أكتوبر 2003 صوت الكونجرس الأمريكي بالإجماع علي «مشروع قانون» يطالب المؤسسات الأكاديمية عبر الولايات المتحدة الأمريكية بدعم سياسة أمريكا الخارجية ويهدد بحجب العون المالي عن الجامعات التي تخرق هذا القانون0 وكان الكونجرس قد استمع لمداخلات عديدة تناولت «الأثر السلبي» لأفكار إدوارد سعيد علي أقسام دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية التي أصبحت بؤراً «للنقد المنحط» المعادي للسياسة الأمريكية0 ويقول البروفيسور رشيد الخالدي الذي يشغل الآن كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا إن المقصود من هذا المشروع هو «إما فرض دراسات تقتصر علي موضوعات «الإرهاب» أو حرمان الجامعات التي تحترم نفسها من الدعم المالي، وبالتالي تعطيل المادة برمتها»0 الحملة المتصلة ضد إدوارد سعيد اتخذت من 11 سبتمبر 2001 نقطة انطلاق جديدة تجلت في مظاهر مختلفة منها التقرير الصادر عن «المجلس الأمريكي لأمناء الجامعات وخريجيها» ومقره واشنطن، الذي كتبته لين تشيني زوجة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني والسيناتور الديمقراطي جوزيف ليبرمان بعنوان «دفاعاً عن الحضارة - كيف خذلت جامعاتنا أمريكا وكيف نواجه ذلك؟» وصفا فيه الجامعات الأمريكية بأنها «الحلقة الضعيفة» في الحرب علي الإرهاب0 وفي الوقت ذاته ظهر كتاب مارتين كريمر «أبراج عاجية علي الرمال» Ivory Towers On Sand اتهم فيه الأكاديميات الأمريكية بالانحطاط إلي «الرومانسية العالمثالثية» ويقرر أن «وصف السياسة الخارجية الأمريكية بالفشل علي أيدي الباحثين يعني فشل الباحثين لا فشل السياسة الأمريكية!» واتهم مركز دراسات الشرق الأوسط بتبديد أموال دافع الضرائب الأمريكي علي دراسات وبحوث «موصومة بأفكار إدوارد سعيد » منذ نشر كتابه الاستشراق0 وكريمر هذا يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية، وشغل منصب مدير «مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية» في جامعة تل أبيب وهو الآن رئيس تحرير مجلة دراسات الشرق الأوسط0 أما زميله المدافع عن الصهيونية دانيال بايبس Daniel Pipes رئيس ما يسمي بـ «معهد السلام الأمريكي» فقد قام بتكوين موقع علي الإنترنت أسماه «الرقابة الجامعية» Campus Watch حث فيه الطلاب علي كتابة التقارير حول «سلوك» أساتذتهم! وبايبس هذا بدأ منذ عامين حملة لمطاردة الأساتذة المعادين لإسرائيل في أمريكا من خلال نشر أسمائهم في الإنترنت والتشهير بهم0
رموز اليمين الأمريكي يشعرون أن إدوارد سعيد قد خدعهم وأنهم لم ينتبهوا لضرورة إيقافه في الوقت المناسب0 بعد موته، راح مثقفو البنتاجون والبيت الأبيض ومثقفو مراكز الدراسات المدافعة عن الحلف الأمريكي- الإسرائيلي يبذلون كل جهد ممكن ليضمنوا أن نموذج إدوارد سعيد لن يتكرر، سيفرضون علي الجامعات بحجة «التوازن» أن تعين أساتذة متواطئين مع النظريات البائسة للمحافظين الجدد وسياساتهم العدوانية حول العالم0 سيعملون علي قتل التفكير المستقل لدي الأجيال القادمة من الباحثين والطلاب، فإذا كان واحد مثل إدوارد سعيد قد أفلت من قبضتهم فلن يسمحوا «لغيره» أن يفلت بعد اليوم0 لقد استطاع كتابه الاستشراق أن يخلق انقلابا نظريا ترك أثره في العلوم الإنسانية كلها من الدراسات الثقافية إلي الفلسفة إلي الإنثروبولوجيا إلي النقد الأدبي وبات محكوماً علي محاربته بالفشل0 لكن العداء لإدوارد سعيد لا يقتصر علي إنجازه الأكاديمي كباحث يحرج المؤسسة بل يمتد أيضا إلي شخصه كقدوة ونموذج للمثقف صاحب النشاط السياسي الجريء والموثر0 لقد بذلت الولايات المتحدة عبر أجهزتها وإنفاقها المالي الواسع أقصي ما لديها من جهد لفصل الأدب عن السياسة وللأسف انصاع لها كثير من أنصاف الكتاب والنقاد الجهلة0 ولأن الحملة الضالة شملت العالم كله فلم يكن ممكنا لغير مفكر بوزن إدوارد سعيد وفاعليته أن يلاحق الكذبة عالمياً، لتصبح كتبه سلاحا في يد كل من يريدون أن يقرأوا العالم قراءة ليست معطاة سلفا0 إن مؤسسة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة تشعر حقا وفعلا أنها خسرت معركتها الفكرية علي مستوي العالم0 ولعل المواقف الشعبية العالمية المعادية للسياسة الأمريكية في العراق وفلسطين التي أعلنها معظم الشعراء والروائيين والمسرحيين والسينمائيين، والمبدعين في كل أنواع الفنون قد أشعرتها بحجم هذه الخسارة0 وهذا ما يفسر شراسة الحملة ضد إرث إدوارد سعيد، وتحميله مسئولية إفساد عقول الباحثين0 إنني أشعر بأن علينا، معا، أن نزيح بأيادينا جدران الأفق لتتسع لأكثر من حياة واحدة لهذا الرجل، لكن علينا أيضا ألا نحوله إلي أيقونة علي أي جدار0 فالأخذ منه والإضافة إليه والاختلاف معه (ولا أتردد في الدعوة إلي ذلك) هو العلامة الأكيدة علي أننا نقرؤه القراءة النقدية التي كان يدعو لها0 فالقول بأن إدوارد سعيد قد بلغ الكمال في كل ما كتب هو قول ساذج؛ فهو إنسان يصيب ويخطئ، لكن الإنسانية أيضا تعلمنا أن المناظرة الفكرية بين خصوم الرأي كجزء من صراع خلاق يثري الأفكار شيء، وأن اغتيال الشخصية وتحريض السلطات عليها كما يفعل الواشي والمخبر السري أو العلني شيء آخر0 إن حملة الحقد والتزوير والتهديد التي ازدادت شراسة هذه الأيام لقتل إدوارد سعيد بعد موته يجب أن يتم التصدي لها بقوة0 إن مساعي الانتقام من إدوارد سعيد بأثر رجعي، يجب أن تفشل0
لمن يعرفه عن قرب، كان إدوارد سعيد ذلك الفلسطيني المتنقل بمعاركه من منبر إلي آخر والمناهض للعواطف المعطاة، والمزعج للسلطة والمدقق في سرديات الإمبريالية، والمستعد دائما لتحدي الكذب المسلح ومؤازرة الصدق الأعزل، هو نفسه صاحب تلك الروح الهشة التي يعرفها أصدقاؤه0 هو سيد السهرة، المرح، صاحب الذائفة علي مائدة طعامه، المنتبه للمحيطين به، له ملاطفات يوشحها خجل خفي، وله قدرة علي السخرية، حتي من الذات، وهيبة الأستاذ فيه تزداد جمالاً بطفولة غامضة تذيعها عيناه0
كان من الطبيعي، لكي أكتب هذه الكلمة أن أعود لقراءة إدوارد مرة أخري، والذي حدث أن صوره المثبتة علي أغلفة كتبه المتناثرة علي مكتبي حولت أسئلة المصير الإنساني منذ هوميروس إلي هذه اللحظة إلي سؤال حميم وشخصي كأنه يخصني وحدي أو يخصه وحده، إهداءاته الثابتة المطبوعة مع كتبه، وإهداءاته الحميمة التي بخط يده المستعجل الذي يشبه خطوط الأطباء، أصبحت أصواتا مسموعة0 ملمس كتبه بين أصابعي صار مختلفا بشكل يسبب رعشة لا أكاد أشعر بها لكنني أشعر بها، ويسبب شوقا لرؤيته كما يشتاق المقيم للمسافر0 وفي لحظات كهذه، بين «الحقيقة» التي لا جسم لها لندفعه بعيدا عنا، و«الوهم» الذي هو جسم لا يصلح للعناق، لا ينقذنا إلا ذلك الصوت الخفي الذي نخترعه عند انطباق الأسي علي الصدر: صوت يقول إن الغائب والمقيم مسافرا0 ونحن الفلسطينيين قوم علي سفر؛ نشتاق لوجوه كثيرة وأماكن كثيرة ، وحقائق كثيرة دمرها التاريخ، ودمرتها الجغرافيا، ولا سبيل أمامنا لاستعادتها إلا بالاستمرار في الحياة ولكن بشرط أن نحب الحياة وأن نكون دائما، قادرين علي انتقادها؛ وأن لا نتخلي أبداً عن حقنا في الاعتراض، وفي إعادة النظر فيما نري ونقرأ ونسمع؛ وألا نكتفي بأن نبتسم لكل من شاء أن يصورنا كما يحلو له، وعلي النحو الذي يريد؛ فالواجب الأخلاقي يقتضي أن يدرك المصور أننا ننظر إليه، ونلتقط له الصور.
غطاء البيانو يهبط ببطء ومهابة، لكن موسيقي إدوارد لا تزال تملأ مسامعي، وتملأ مسامع الكون.