مريد البرغوثي

غرفة فلسطينية أكثر إضاءَةً واتساعاً

كلمة الفائزين بجائزة فلسطين للأداب والفنون، قصر الثقافة رام الله 27/12/2004

 

كم من الشهداء، نساءً ورجالاً، من لو عاش لفاقنا وكتب أجمل مما كتبنا؟ وكم من أسيراتنا وأسرانا ومعتقلينا من لو لم تُحبَس معه ممكناته لرأيناه واقفاً هنا يتلقى التكريم المستحَق؟ فلتذهب التحية الأولى لهم، فهم أجملُ منا. وليكن الواضح واضحاً والأكيد أكيداً: الحزن ليس مهنة فلسطينية، إننا نبتهج أيضاً، وليس أجملَ من محزونٍ يعطي المَسَرَّة قَدْرَها. والموت ليس مهنةً فلسطينية، إننا أبناء الحياة وحُرّاسُها، وقد يُقَدِّمُ حارسٌ عُمْرَهُ ليصونَ ما يَحْرُسْ. أما الصمودُ في وجه الصعوبة فهو حقاً مهنةٌ لنا: يُسَمّيهِ المتهاون تطرفاً، ويسميه العدو إرهاباً، ويسميه الحزبيُّ كفاحاً، وتسميه جدّاتُنا الصبر، ويسميه التاريخ بطولة.

 

هذه لحظة لطيفة من لحظات الثقافة العربية، فنحن مثقفون عرب نكتب باللغة العربية لقارئ نحاول أن نفهمه ويفهمنا، هنا وفي العالم. لكن الخصوصية التي لا جدال فيها لمِحنة بلادنا فلسطين، تُضيف بُعداً فريداً إلى بهجتنا الصغيرة اليوم:

 

إن مجتمعاً مُحارِباً ومُحارَباً يعيش في غرفة صغيرة من غرف العالم، ويتقاسم فيه قتلاه ومُقاتلوه رغيفَ الأمل النحيف منذ مئة سنة، ولا يزال قادراً على ترك نافذته مفتوحة على الفنون والآداب، وأعباءِ الحِبرِ والخَيال، هو مجتمع يستحق منا انحناءَتَيْن: الأولى احتراماً لوجعه الذي لا مثيل له، والثانية احتراماً لإدراكه أن الوجع ليس محصولَه الوحيد ولا حقيقتَه الوحيدة، ليس لأنه برفعه سؤال الثقافة إلى مقام البهجة، يعمق انتماءه للبعد العاديّ الرائع في الإنسان، ولكنْ أيضاً لأنه يوسِّع الغرفة الفلسطينية في بيت العالَم، ويجعلُها أكثرَ جدارةً بالحرية عندما تجيء. وستجيء!

بل بوسع المرء أن يذهب، مطمئناً، إلى الأبعد الأهم، مطالباً أن تظل نافذتُنا مفتوحةً على انتقاد الذات وتشخيص الغلط، والإشارةِ إلى كل بقعة داكنة تراها العينُ العادلةُ في صفحة البلاد، حتى لو كانت، بل خصوصاً لو كانت هذه البقع في أعلى الصفحة. ونحن، المشتغلين بالتعبير الثقافي عن الذات الفردية والجماعية، أول من يستحق أن يُنْتَقَد إن لم نَنْتَقِد. ولكي لا يتم الخلطُ المفضوح بين النقد والثرثرة، فإن ما يقوله المثقف باسمه، يجب أن يكون قادراً على قوله أمام التاطقين باسمه.

لسنا المجتمعَ السياسيَّ الوحيد الذي يمكن للعين العادلة أن ترصد وجودَ الأخطاءِ فيه، لكننا ربما كنا المجتمع السياسي الوحيد الآن، الذي يُعَدُّ فيه الإغماضُ عن عن الأخطاء جُرماً يَفوقُها. فنحن لا نملك من ترف الإغماض إلا ما يملكه السائرُ في حقل الألغام. لم يَحِنْ وقتُ الرضى والمدائحِ بعد. والكل يعرف أن صاحب القرار لا يحتاج إلى مادحيه بل هم الذين يحتاجون إليه، وهذه نقطة ضعفهم وضعفه. ولدينا معارضون يحبون المديح أيضاً وهؤلاء لا تستثنيهم السطور!

نحتفل بلحظتنا الناعمة هذه دون أن نشرد عن خشونة الواقع المحيط بنا، فبطولة شعبنا يرافقها ما يرافق البطولة من أَسى، والكون الواسع يزداد شراً وقبحاً إلى درجة تغري بالتساؤل الجارح عن جدوى قرون من الفلسفة والشعر والموسيقى والرسم، وملايين من رفوف الكتب. كأنّ كلَّ التوق الثقافي إلى عالم عادل وجميل، لم يستطع الحيلولةَ دون وصول البشرية إلى ما هي عليه الآن! فأين مِن تلك الفلسفةِ التي قالت لنا إن "الإنسان هو مركزُ الكَوْنْ" هَرَمُ العراء المنتهك جسماً وروحاً وعقلاً في "أبوغريب"؟ وأين منها طائرةٌ حربية تستطيع تدميرَ مدن بأكملها، تتحول إلى قناص سماوي، لتقتل شيخاً واحداً على كرسي متحرك؟ لقد اتخذ المعنى من ضده شبيهاً، ولم نعد نعرف إذا تحدث شخصان عن السلام مثلاً، إن كانا يقصدان الشيء نفسَه! لماذا نكتب ونرسم ونغني ونصور إذاً؟ وهل سنستمر في ذلك؟ نعم! سنستمر. سنستمر حتى لا يظن أحد أن الراهنَ هو الأَبَدْ. وحتى لا يظن أحدٌ أنّ الراهنَ مقبول. وحتى لا يظن أحد أنه باسمنا، أو لأجلنا، أو لأجل أي شعار لامع، يقترف ما يقترف. نعم سنستمر حتى لا يظن أحدٌ أنه يحاربُنا ليمنحنا الأمان، أو يَقْتُلُنا ليحمينا من الموت!

في مجد الميلاد حيث يبتسم الجرس سماحة ويهمس الصليب محبة، وحيث نقترب من موسم حَجِّ الروح إلى هِلالها الأول، كان المنتظَرُ أن يكون واقفاً هنا، يمد لكم ولنا يداً ترتعش بالتجربة والأمل العسير. لكننا نجتمع اليوم في ظل الحضور الكامل لغيابه، وفي ظل موقفه النهائي الذي أزعج ضغوطَ أعدائه، المكفهرِّ منهم والمبتسِم، الغريب منهم والقريب، أعدائه الذين تحتاج إلى ترجمانٍ لتفهم لغتهم وأعدائه الذين لا تحتاج لفهم تواطؤهم إلى ترجمان! نجتمع لنحيّي إصرارَ الرجل على على اكتشاف الصلابة في الغيم، وإصرارَه على رؤية البعيد قريباً، وإصرارَه، حتى الموت، على رفض ما لا يَغْفِر او ما لا يُغْفَر. لقد أدخَلَ ياسر عرفات تعديله الشخصيّ على وطأة الموت، وترك لنا باب الحياة، وإن كان ما زال مغلقاً، لتضرّجَهُ الأيادي التي تَدُقّ، وتفكِّرَ فيه العقول، التي هي أيادٍ أخرى. لقد عَلَتْ أصواتُ العواصم تردد كجوقة مسرحية أنّ غيابَهُ خَلَقَ فرصةً جديدةً للسلام. ولقيادتنا الجديدة أن تمتحن كلَّ الفرص، فهذا واجبها، لكنّ واجبَها أيضاً أن تُفكَّر في البديل الذي ستلجأ إليه عندما تدرك أن الفرصة لم تكن إلا وهماً آخر وحيلةً أخرى. وهذا ما لم يقله لنا حتى الآن كل مرشحي الرئاسة القادمة.

قد يلتصق فرد من الناس بماضيه، طرباً أو ندماً، ففي طبائع الكائن الفرد غرائبُ كثيرة، لكنّ الشعوبَ تبدأ دائماً من مستقبلها. وشعبنا يتدبر أمر مستقبله وسط اختلاطٍ ومَخاطِرْ. ولم يَبْقَ مِن ألاعيب العدوّ جديدٌ يباغته، فقد خَبِر الألاعيب جميعاً، من الكتاب الأبيض بعد ثورة 1936 إلى كل وعد طالَبَ هذا الشعب أن يتخلى عن طاقته النضالية انتظاراً لمكافأةٍ لا تجيء، واستقلالٍ لا يتحقق.

 

نحن متعبون نعم. لكن العدو لا يرفل في الراحة، ورغم كل خساراتنا فالعدو حاطِبُ ليلٍ يَلُمُّ مع أرباحه خساراتٍ شتى لا تحبها يداه. نوصي أنفُسَنا بالمزيد من الصبر الذكيّ، ونقول للأعداء:

 

أيها الأعداءُ "شَيءٌ ما" يُثيرُ الشكَّ فيكُمْ!

كُلُّ ما في جَبَلِ الأوليمبِ من آلِهَةٍ

مَعَكُمْ!

تتلقّى الأمرَ مِن شَهْواتِكُمْ!

تَرْمي إذا تَرْمونَ

والأرضُ كما شِئْتُمْ تدورْ!

نَصْرُكُمْ مِهْنَتُكُمْ

كلُّ حَرْبٍ ضِدَّنا تَرْفَعُكُمْ أَعلى

وأَعلى

ثم ترمينا على أقْدارِنا

مثل سَرْوٍ في ظَلامِ المدفأة!

كلُّ ما تَبْنونَهُ يبقى ويَزْدادُ

وما نَبْنيهِ تَذْروهُ المَراثي

نحن للقَبْرِ، وأيديكمْ لِشمبانيا الظَّفَرْ

والذي في دَفترِ القتلِ لَدَيْكُمْ

ليس إلا ميِّتاً،

مُُتْ! فَيَموتْ!

أيها الأعداءُ صارَ الإنتصارْ

عادةً يوميةً كالخُبزِ في أَفْرانِكُمْ

فلماذا هذه الهستيريا؟

ولماذا لا نَراكُمْ راقِصِينْ؟      

كم مِن النَّصْرِ سَيَكْفيكُمْ لكي تَنْتَصِروا؟

أيها الأعداءُ، "شيءٌ ما" يُثيرُ الشكَّ فيكُمْ،

ما الذي يَجْعلُكُمْ، في ذُروةِ النَّصْرِ عَلَيْنا،

خائِفِين؟!

***