|
مريد البرغوثي قوة الحزين الأعزل أحياناً، غالباً، دائماً، الجهر بالحقيقة أمام السلطة أمر له عواقب غليظة، ومن يطالب غيره بذلك يبدو كمن يدفع بغافلٍ من ظهره إلى حفرة الوحش. فالسلطة تعريفاً هي الجهة التي تملك حق احتكار أدوات القتل. وسلاحها متعدد، فبيدها الرصاص والقانون والتوقيت والمعلومة والقرار والعسس والسجون، وبيدها حق التذكر وحق النسيان، وحق الصمت والكلام، وحق التصنيف والتعريف، وبيدها تحديد السرِّ الذي تحجبه والعلنِ الذي تذيعه، وهي التي تعرف متى تخلط هذا بذاك. فإذا نصحتَ كائناً فرداً بالوقوف في وجه سلطةٍ كهذهِ، ليكونَ جديراً بالحياة، عرضته لصنف من صنوف الموت. لكنني لا أتردد في توجيه هذه النصيحة لك ولي. لا لأنني مولع بتدمير الذات أو بإيذاء أي فرد، لكن لأن نصيحتي مشروطة بإدراكنا الواثق أننا، أيضاً، أنت وأنا، نمتلك نوعاً مؤثراً من أنواع السلاح. وبما أن محدودية الفرد لا تنتصر على فداحة الإجماع إلا إذا وسَّع الفرد حدوده وازداد عدداً وكثافةً وقوة، فإن مفهوم الجهر بالحقيقة أمام السلطة يحتاج إلى بعض التدقيق. ليست المسألة فرداً متحمساً يشتم السلطان، بل هي مواجهة بين سلطتين، مجابهة بين فكرة مستقرة وفكرة تتحرك. إنها حرب متصاعدة بين شكلين من أشكال القوة، وإن اختلفت بينهما النِّسب. السلطة ليست قلعة على رأس جبل شاهق نقذفها بالسباب من مكاننا في قاع الوادي. هذه بالضبط هي الصورة المشتهاة للسلطة في وهم أصحابها فقط. السلطة ليست السلطان وحده ولا الحكومة وحدها ولا المعتقد المعدني وحده ولا اليقين السعيد وحده، كما أنها ليست جبلاً نريد أن نفلقه فلقتين بضربة واحدة،إنها مبثوثة في كل ركن حولنا، في البيت والمدرسة والجامعة والجامع والكنيسة والمؤسسة والوظيفة والمصنع والجريدة والشارع، إنها بيننا وأمامنا وفينا، واخطر من كل هذا، أن قبولنا لها أهم عنصر من عناصر بقائها على المدى الطويل. وهي تعلم ذلك جيداً، فهل نعلمه نحن؟ أمهد بهذا المدخل لفكرة امتحنتها بداخلي طويلاً وهي أننا إذا أحسنّا تعريف مفهوم "الجهر بالحقيقة أمام السلطة" بات بوسع الكائن الفرد مهما كان اختصاصه، أن يكتشف قدراته وأسلحته الكامنة بما يؤهله لجعل رأيه "معروفاً" وللانخراط في معارضة ذات جدوى. عندئذ لا يقف المثقف وحده كفارس ذهبي شجاع يضحي بما يراه امتيازات ويعرض حياته للخطر تكرماً منه على مجتمع مغمض. لم أنظر أبداً بارتياح للمبالغة في تمجيد المثقف، فهذه فكرة تنطوي على ما يشبه التمييز العنصري الذي قد لا يعيه بعض المثقفين المفتونين بمراياهم أو من الجماهير ذات النوايا الحسنة المتعطشة لتعيين كل صاحب منبر ناطقاً باسم أوجاعها. المبالغة في تمجيد المثقف أمر يبعث الريبة في نفسي تماماً كتمجيد المرأة الذي يبدو في الظاهر اعترافاً بمكانتها بينما هو في التطبيق العملي أسلوب إقصائيّ بالغ الخبث يرفعها فوق رف أيقونيّ لإخراجها من السياق المجتمعي الطبيعي عن طريق ترميزها وتصنيمها وإلغاء احتياجاتها واختياراتها وتفاعلها الواقعي مع كل شؤون الحياة - لا مع بعضها!. نحن بحاجة أولاً إلى نظرة ديمقراطية للمهن تحترم قدرات الأفراد في تفاوتها وترى غير المرئي منها. فما يترتب على هذه النظرة الديمقراطية يتجاوز فضيلة الحس بواجب المساواة بين الناس إلى ما هو أهم وهو إدراكنا ان اتخاذ "المواقف" والبحث عن الحقيقة والجهر بها أمام السلطة ليس أمراً قاصراً على فئة بعينها في المجتمع بل هو أمر يستطيعه كل فرد فيه. الموقف النقدي شرط إنساني وجودي به يمكن التفريق بين الإنسان والقطيع، وجعل هذا النقد ممكناً ومعلناً يبدأ أولاً بأن تحترم الذات ذاتها وأن تتوقف عن الركون إلى فكرة الحزين الأعزل، أو الصغير العاجز. فالطالب مسلح بحقه في مناقشة الأستاذ، والأستاذ مسلح بحق مناقشة العميد ورئيس الجامعة إلى آخر تراتبية الرئيس والمرؤوس في شتى الوظائف والتخصصات. وكما تبدأ المقاومة من هنا فإن التواطؤ يبدأ من هنا أيضاً. إن السكوت على فساد السلطات الصغيرة هو الحاضنة الوثيرة للفساد الأعلى. هنا في حيزه المحدود على الكائن الفرد أن يبدأ في انتزاع حق التدخل في شؤؤن العالم. وإذا كانت مسارات الحياة تقدم للأحياء وسائط بالغة التنوع لإسماع الصوت وإعلان الموقف فإن التفريط والتواطؤ يصبح مبثوثاً في كل زوايا المجتمع. وعندما ينهار البيت فإنك لا تسأل عما جرى للنوافذ أو للسقف. ويصبح السؤال أين كان المثقفون أو أين كان غيرهم سؤالاً عبثياً. لكنني، وإن كنت لا أعفي الكائن الفرد من مسؤوليته عن مآل المجتمع، فإنني أتفق مع القائلين بأن مسؤولية المثقف أكبر من سواه بما يملكه من وسائل التعبير وحصة الضوء وسعة الحيز والنفوذ المعنوي والقدرة على تمثيل الهامش والمنسي والمكتوم. من منا لم ير نفسه في كوابيس المنام راغباً في الصراخ المستغيث لدرء خطر يحيق به لكن صوته لا يخرج من حلقه مهما حاول بينما الخطر يواصل الاقتراب بثقة مرعبة وأسنان تلمع؟ هناك مجموعات بشرية بأكملها، تعيش هذا الكابوس خارج النوم، بشر محرومون من الصوت وحقوق يطوّقها الخرس أو الإخراس حتى تضيع كأنها الباطل ذاته، ونساء مكممات بحقوق الرجال، ورجال مكممون بِعَصْبِ الشفاه والأعين، وحقائق مكممة بدهاء الزور والتزوير، وشعوب محتلة، ودم بريء تسفكه القداسات المدّعاة مرة باسم لاهوت السماء ومرة باسم لاهوتِ ظِلِّها على الأرض. لكن الصورة الشائعة عن المثقف المقاوم تحتاج أيضاً إلى تصحيح، كلما مررنا بمنعطف تاريخي طلع علينا من يسألنا ماذا كتبتم عن الهزيمة الفلانية او عن النصر الفلاني؟ كأن الكتابة الابداعية لا شأن لها إلا باللطم أو التصفيق. إن هذا المفهوم التعقيبي للثقافة يدفع بالكتّاب إلى الارتداد إلى أغراض الهجاء والمديح وقد أورثنا ذلك عدداً كبيراً من أسوأ القصائد الطنانة التي كتبت على هوامش نكساتنا وغيرها مما اعتمد لغة الطغاة في هجاء الطغاة. فاللغة التجريدية الانشائية الهادرة الصوت والمترهلة بالتعميم والتسطيح هي لغة الحاكمين الطغاةِ بامتياز. وقد تحدثت في أكثر من مناسبة عن أن مهمة الشاعر هي "تبريد اللغة" وانتقاء مفرداتها بدقة الجراحين وإخراج الكلام من مألوفه السائد في إعلام الحاكم والقول الإعلامي السعيد: يكون الشعر مقاوماً حقاً عندما يكون في نبرته وبنائه ونسيجه ورؤيته للحياة مختلفاً عن الفهم المهيمن في السوق السياسي والاجتماعي، إن الشاعر الذي يرفع اليقين إلى مستوى الشك والعمومي المجرد إلى ملموسية الحواس الخمس هو الذي يفلت من التقليدية وليس ذلك الذي يشن حملة ضد الطغاة باللغة نفسها التي يهجو بها الطغاة خصومهم. إن النص الأبوي المهيمن لا يمكن مواجهته، فنياً، بنص أبويّ موازٍ له، بل بالكتابة على غير منواله. لكن المثقف ليس صوتاً فقط، وواجبه ليس إبداعياً فقط...نحن متفقون أن الإبداع فعل والجمال فعل والكتابة بحد ذاتها فعل لكن الفعل أيضاً فعل، أليس كذلك؟ وهذا يطرح علينا مسألة المواقف التي يجاهر بها المثقف والأفعال التي يقبل أو يأبى أن يكون طرفاُ فيها أي فرصة يقبل وعن أي فرصة يعتذر، (فكم من شاعر اشتهر بهجاء الأنظمة راح يلقي قصائده بين أيدي قادتها)، إن نبذ الفرص المشبوهة فعل، كما أن الركض وراءها فعل، وعندما يصدران عن نفس المثقف فما حاجتنا لصوته؟ والشاعر المدافع عن ذاته الجماعية دائماً، نفسه، حزبه، قادته، وطنه، حربه، سلامه، يحسن به أن لا يغلق باب النقد الذاتي وراءه بل عليه أن يحتفظ ببهاء السخرية من الذات أحياناً وأن يظل باستمرار قادراً على المراجعة والتساؤل والشك العفيّ حتى عندما يلحق ظلم بوطنه وشعبه وتصبح جنازات أهله جزءاً ثابتاً من ملامح شوارع مدنه، ويتخلى عنه العالم ويوصم بالإرهابي وهو صاحب حق، نعم هناك حاجة دائمة لما يسميه إدوارد سعيد "الوطنية الدفاعية" في مثل هذا الوضع التاريخي الضاغط، لكن سعيد محق أيضاً في تأكيده أن الثقافة فعل نقد ومعارضة في المقام الأول. وأود هنا أن اشير إلى ظاهرة ثقافية ملفتة في بلادنا العربية، فحواها ان الكتاب ذوي النظرة الانتقادية لأنظمتهم يتم احتضانهم بشكل واضح وعريض في كل مكان بينما يتم تجاهل الأصوات التي تمارس النقد الذاتي من داخل حالات ثورية أو مقاوِمة مثلاً، كأن على المثقف في هاتين الحالتين أن يواصل ابتسامة الرضى عن كل ما يعيش وما يرى وما يسمع بحجة أن هناك مواجهة مع العدو الخارجي الأكبر، وهذه الظاهرة لا تسيء إلى عافية الثقافة وحدها بل تسيء إلى الثورة والمقاومة أيضاً، من حيث تكريسها لثقافة المبايعة على حساب ثقافة المساءلة. إنني، كفلسطيني هاوٍ، حاولت دائماً أن احتفظ بالمسافة اللائقة التي يجب أن تفصل المثقف عن السياسي التنفيذي المحترف، ذلك انني أومن أن حركة المقاومة ليست تجريداً مثالياً، ولم أر في أي مرحلة عشتها من مراحل القضية الفلسطينية أن عليّ أن ابايع القيادات مهما فعلت وأثني على خياراتها مهما تناقضت، بل فكرت بكل ما وسعني من التركيز والدقة في كل تطور وكل قرار سياسي أو ثقافي واتخذت منه موقفاً بالقبول أو الاعتراض، فالثورة ليست عشيرة ولا قبيلة تأمر فتطاع، بل هي مسار تاريخي يصيب فيه القادة ويخطئون. وفيها من يخدم الوطن وفيها من يستخدمه، وفيها من يدفع الثمن وفيها من يقبضه. وإذا كان المثقف الانتقادي منذوراً لخسارات كثيرة، فإن شرفه لا يكتمل إلا ببعده عن أي درجة من درجات الندم. مريد البرغوثي (ندوة جامعة القاهرة حول الجهر بالحقيقة في وجه السلطة)
|