مريد البرغوثي

منتصف الليل

)مقتطفات) I

 

عَمّا قليل

تَخْرُجُ الشمسُ من غُرفةِ نَوْمِها

وببطءٍ مَلَكِيّ

تفكُّ الضِّمادَ السميكَ

عن حَواسِّ الكَوْنْ:

 

تُفيق البراعِمُ من بَنْجِ الشتاءْ

تثرثر،

سَكْرى بِلَوْنِها النبيذيّ

 

تَنْدَفِعُ الزُّهورُ

المنقوشةُ على صدر قَميص البنْتْ

قلبها يتعلم الرَّنينْ

خطاها تتعلم الالتفات

ومخدّتُها تشتاق لشَعرِها الهائِجْ

 

الماعز يحك الجدار

الضوء يحك أوراقَ الحُور

إذ تَقْلِبُها الرياح

يحك سرير النحاس

وخاصرة العروس 

روح الكون تتخذ لها جسداً

من الحشائش والمُرّارِ والزيزان

من الهديل والندى

ومن نشاط البغل،

من شهوة الحصان

ومن تولدن القرود في أقفاصها

ويَعلو الدبّورُ 

في ضَلالِ الجِهاتْ

 

تُطِلُّ أولى وُرَيْقاتِ البازِلاّء

واللِّفْت، وهندباء البراري

 

يقفز الحُبُّ الوحْشِيُّ بين وَلَدٍ وبِنْت

كارتطامِ وعْلَيْنِ في الرَّذاذْ،

 

يلعب المُهْرُ الأَحْمَرُ،

يَنْقَلِبُ على ظَهرهِ

يَحُكُّ صَهْوَتَهُ بالتُّرابْ

يرفسُ شَياطينَ لا يراها سِواه

ويَلْعَبْ!

 

ينطلق السَّيْلُ في مَجْراه 

فيُلغي الفارِقَ بين الحَصى

والحَجَرِ الكريمْ

 

تستيقظ أوجاعُ العِظام!

تأخذ الجَدَّةُ شايَها

إلى مُسْتَطيلِ الشَّمْسِ

قُرْبَ العَتَبَةْ 

 

تتململُ الشُّرورٌ الصغيرة

يمارس الأولادُ مَكائِدَهُمْ

ضد الوَلَدِ الطيِّبْ

 

تمارس زهور الخبّاز فُجورَها العَلَنيّ

في الشُّرُفاتْ

 

تتلفت الحِرْباءُ الصغيرةُ بعنقها

كعارضة أزياء فخور

 

يَخْرُجُ النَّمْلُ من مَخازنِهِ الذَّكِيَّة

والحَلَزوناتُ من قِلاعِها البيضاءْ

المقاهي تُخْرِجُ كراسيها

إلى الأرصِفَة

 

أراجيحُ الأولادِ النائمةُ مثلَ حِصانِ الحلوى

تَرْفَعُ ضِحْكاتِهِمْ إلى أبْعَدِ نافذةٍ مفتوحة

 

يُفَكِّرُ الزوجانِ مُبَكِّراً

في أسماءَ سخيفَةٍ للمولودْ

 

الأرملةُ التي صَبَرَتْ صَبْرَ الرَّماد

تَحْتَ زعفران الجمر

تبحثُ، فجأةً، عن مِرْآتِها

وتحتارُ طويلاً أمام خزانتها

 

أمّا أنت!

أنت برسغك المقَيَّدِ إلى رُسْغِ اللَّعْنَة

تتابع، مُكْرَهاً، ما يفعلُهُ خنزيرُ التاريخ

في مُتْحَفِ يومِكْ

كأنّ لكَ شَمساً تَخُصُّكَ دون العالَمِينْ

شَمساً لن تُضيئَك

إلا إذا رَكَلْتَها بِقَدَمِكْ

إلا إذا ضَرَبْتَها بالسَّوْطْ!

***

تأخُذُ مِن مَوقِدِكَ البارد إصبعَ فَحْمٍ

وبيدٍ قويّة،

تكتب على جِدارِكَ الأمْلَسْ:

 

- لا بد أن يكون لي يَوْمٌ يُناديني باسمي!

- لا بُدَّ أن يَكونَ لي وَطَنٌ

غَيْرَ

هذه

الصَّفْحَة!

 

مريد البرغوثي