العرب العالمية، لندن

بنية السرد الشعري عند مريد البرغوثي

د. صبرى حافظ

لا شك أن طبع كتاب الشاعر الفلسطينى الكبير مريد البرغوثى "رأيت رام الله" أربع طبعات بالعربية منذ صدوره لأول مرة عام 1997، بالإضافة إلى طبعتين انجليزيتين لترجمته الجميلة التى قامت بها الكاتبة القديرة أهداف سويف، وقدمها الناقد الكبير إدوارد سعيد من العلامات المؤكدة لأهمية هذا النص الشيق. كما أنه قد ترجم علاوة على الانجليزية إلى الإسبانية، والإيطالية، والهولندية، والفرنسية. وهو نص فريد بحق، يوشك أن يكون نوعا متفردا من الكتابة الشعرية السردية، أو الكتابة السردية الشعرية التى لم يعرفها الأدب العربى كثيرا، من قبل، اللهم إلا فى حفنة من النصوص النادرة، أذكر منها "خليها على الله" لكاتبا الكبير وأستاذنا الذى يذكره جيلنا كله بالخير والعرفان يحيى حقي. والواقع أن سر سحر هذا النص الفريد هو فى شعريته، إنه ليس كتاب ناثر، بل كتاب شاعر بحق يكتب بالصورة، ويفكر بها. ثم يحيل الصور فى كثير من الأحيان إلى أسئلة مدببة تخز القارئ وتوقظ خياله باستمرار. وهو لذلك كتاب سردى فريد، لأن السرد فيه ليس من النوع الوصفى الذى يهتم برصد التفاصيل واصطحاب القارئ إلى بقاع جديدة، وإن كان يفعل ذلك، ولا من نوع السرد التتابعى الذى يهتم بتطور الأحداث واللهاث وراء تصاريفها، وإن امتلأ النص بأحداث شيقة ومفاجآت كثيرة مثيرة. ولكنه من النوع التحليلى والتأملى الذى يسعى لبلورة صورة كاملة ومؤثرة لما جري، ويتحرك بحرية فى الزمن. يستدعى حدثا مضت عليه ثلاثون سنة، ثم يرتد لحدث مرت عليه عدة ساعات، وينتقل منه لحدث جرى قبل شهور أو عدة أعوام. ولكنه يكشف لنا من خلال صياغة الصورة مدى تعدد الوشائج بين هذه الأحداث جميعا، ومدى تشابك المصير الفلسطينى بالمصائر العربية والتصرفات العربية المتباينة، ومدى تجلى القديم فى الجديد بصورة مغايرة، ولكنها تكشف عن الثابت بقدر كشفها عن المتحول.

رحلة تأسيس الحق

ويقدم لنا الكتاب فى حقيقة الأمر رحلة الشاعر إلى رام الله بعدما حرم من دخولها منذ خرج منها للدراسة فى جامعة القاهرة، ووقعت أثناء سنوات الطلب واقعة 1967 التى وقع بها النصف الثانى من فلسطين فى قبضة الاحتلال الصهيونى الذى لا زالت تعانى من بربريته الوحشية حتى اليوم. وهى رحلة للم الشمل، وليست نوعا من العودة الحقيقية لوطن تم تحريره من ربقة الاستعمار الاستيطانى الصهيونى القبيح الذى لا يزال يقضم كل يوم قطعة عزيزة من أرض فلسطين، والعرب ساكتون، أو بالأحرى خانعون. وإنما رحلة للتعرف على الشتات فى الوطن، وعلى ما فعلته الغربة فيه، وما فعله العدو الصهيونى به. وأهم من هذا كله على آليات عمليات الخداع المراوغة التى تلف الوضع الفلسطينى والعربى كله. بعدما وقع العالم العربى من جديد فى قبضة الاستعمار الأمريكى القبيح، وهو الاستعمار الذى رعى المشروع الصهيوني، وموله، وكان بمثابة المركز الأصلى "المتروبوليتان" له على مد الخمسين عاما الماضية. كما يقدم لنا فى الوقت نفسه رحلة الفلسطينى الصعبة للتشبث بوطنه وهو فى المنفي، ولتأسيس حق ابنه "تميم" فى هذا الوطن. فشاغل مريد فى هذه الرحلة هو أن يحصل لابنه الذى ولد فى المنفي، من أب فلسطينى وأم مصرية هى الكاتبة المصرية الكبيرة رضوى عاشور، على حق العودة لوطنه الذى لم يضع قدما على ترابه بعد. وعندما قرأت هذه الصفحات التى يجرى فيها مريد وراء الأوراق التى تمنح ابنه حق العودة، بعدما ألقت السلطات المصرية بـ"تميم" خارج الحدود لمشاركته فى المظاهرات العارمة التى اندلعت فى القاهرة عشية الحرب الأمريكية الاستعمارية على العراق قبل شهور، أدركت كم كان مريد على حق فى الغوص فى متاهة البيروقراطية الفلسطينية الوليدة ليحصل لابنه على حقه فى وطنه الذى لن يظل سليبا ما دام هناك من يتشبث به، ويضحى من أجله.

البداية والجسر

لكن دعنا نبدأ معه تلك الرحلة الصعبة من أولها، كى نتعرف على الآليات السردية والاستراتيجيات النصية التى استطاعت بها المعالجة الشعرية أن تحيل هذه الرحلة المحددة إلى استعارة فنية لرحلة الفلسطينى فى الشتات منذ أن ضاع وطنه على مرحلتين. لأن النص وإن تمركز حول رحلة كاتبه، إلى الحد الذى يمكن اعتباره نوعا من نصوص السيرة الذاتية، فإنه يقدم لنا اشتباك مصير هذا الكاتب الفرد بمصير وطنه فلسطين، وبمصائر العديد من الفلسطينين من أبناء جيله. من أخيه الأكبر "منيف" الذى يكبره بثلاث سنوات، وإن فرضت عليه التجربة وهو لا يزال فى شرخ الشباب أن يكون أبا رؤوما لا لأسرته وحدها، ولكن لكثيرين من الفلسطينيين أيضا، إلى ناجى العلى الرسام الفلسطينى الشهيد الذى شارك فى جنازته فى لندن، برغم ما فى هذه المشاركة من تمرد جسور على المؤسسة الفلسطينية التى لا يزال الكثيرون يوجهون لها أصابع الاتهام بالنسبة لمصرع هذا الرسام الموهوب. أقول دعنا نبدأ هذه الرحلة من أولها، وهل هناك أكثر من الجسر ملاءمة لهذه البداية؟ فالجسر هو عنوان الفصل الأول فى هذا الكتاب. "فيروز تسميه جسر العودة. الأردنيون يسمونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسميه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتاكسى يسمونه جسر اللنبي. أمى وقبلها جدتى وأبى وامرأة عمى أم طلال يسمونه ببساطة الجسر" "ص 15" ويبدأ النص "ها أنا أقطع نهر الأردن. أسمع طقطقة الخشب تحت قدمى … أمشى باتجاه الغرب مشية عادية، ورائى العالم، وأمامى عالمي. آخر ما أتذكره من هذا الجسر أننى عبرته فى طريقى من رام الله إلى عمان قبل ثلاثين سنة، ومنها إلى مصر، لاستئناف دراستى فى جامعة القاهرة. إنه العام الدراسى الرابع والأخير 1967/66 عام تخرجى المنتظر""ص5" ويا له من تخرج كتب سفر خروج هذا الفلسطينى الشاب وهو لا يزال يسعى لامتلاك أدوات المعرفة. يقول لنا الكاتب بمرارة تهكمية ستسم السرد كله "حصلت على ليسانس من قسم اللغة الانجليزية وآدابها، وفشلت فى العثور على جدار أعلق عليه شهادتي""ص7". لأن غياب مريد فى القاهرة أثناء وقوع الضفة الغربية تحت الاحتلال الصهيونى البغيض منعه من حق العودة، وكتب عليه شتاتا لا يقل ألما ومرارة عن شتات الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكرى الصهيونى الكريه.

قريبة ملموسة

ويجسد لنا الشاعر هذا الشتات، "حيث كل شيء مؤقت إلى أن تتضح الأمور" "ص32" وهذه الغربة المرة عن أرضه القريبة البعيدة معا فى مشهدين: مشهد لقاء الأسرة عندما التم شملها فى فندق فى عمان فى صيف عام 1968. ومشهد شعرى يستدعيه من ذاكرته قبل أكثر من عشرين عاما عندما شارك فى أواخر عام 1979 فى أحد مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب فى دمشق؛ وأخذه المضيفون لزيارة مدينة القنيطرة، وشاهدوا التدمير الفظيع الذى تعرضت له المدينة. ووقف الزائرون بجوار الأسلاك الشائكة التى يرتفع وراءها علم الاحتلال الصهيونى الكريه. "مددت يدى من فوق السلك، وأمسكت بالأفرع العلوية من إحدى الشجيرات البرية فى الجانب المحتل من الجولان. أخذت أهز الشجيرة المضمومة فى يدي، وقلت للدكتور حسين مروة وكان يقف بجوارى مباشرة: هذه هى الأرض المحتلة يا أبونزار. إننى أستطيع أن أمسكها باليد … هل ترى كم هى قريبة ملموسة، موجودة بحق. إننى أستطيع الإمساك بها باليد كالمنديل. وفى عينى حسين مروة تكون الجواب كله، وكان الجواب صامتا مبلولا""ص10". فالأرض المحتلة واقع مر يجلب الدموع إلى المآقي. وهى واقع يبلور "الإهانة المتجسدة فى انتزاعها منا. الإهانة تنغص حياة المهانين. نشيدنا ليس للقداسة السابقة، بل لجدارتنا الراهنة. فاستمرار الاحتلال يشكل تكذيبا يوميا لهذه الجدارة""ص11". والنص مشغول بتجسيد فقداننا للجدارة وبتجليات هذا الفقدان التى تتغلغل فى نسيج الحياة اليومية فتجعل الجميع يحسون بفداحة الهوان، وبفقدانهم للجدارة بطريقة تنخر الروح وتسرى فى الدم فتصيب الجميع بشلل جمعى مقيت لا هو موت ولا هو حياة.

فقدان الجدارة

والواقع أن فقدان الجدارة هذا هو الذى يغذى هذا الشلل ويحيل الجسد العربى كله إلى جثة هامدة. لأن الأرض المحتلة يرفرف عليها علم صهيونى بغيض يلخص الشعار الصهيونى الأبغض من النيل إلى الفرات، لأن الخطين الأزرقين فيه هما النيل والفرات وبينهما نجمة داود. ولم يفكر أحد من زعمائنا الذين وقعوا مع العدو الصهيونى "سلام الشجعان" أو بالأحرى سلام المتخاذلين المهزومين والمهانين معا فى أن يطالب بتغييره، بينما يطالب العدو بتغيير خرائطنا ومناهج تعليمنا، ومسح هويتنا القومية والثقافية وحتى الدينية بالتدخل فى نصوص كتبنا المقدسة وقرآننا ذاته. ويتجسد هذا الهوان واقعا فى الفصل الثانى من الكتاب "هنا رام الله" عندما يفتح نافذته فى الصباح الأول فى رام الله، ويسأل: "شو ها البيوت الأنيقة يا أبو حازم؟ سألت وأنا أشير بيدى إلى جبل الطويل المطل على رام الله والبيرة""ص43" وجاءه الجواب الصادم "مستوطنة!" فندرك أن هذه الكلمة البسيطة البغيضة هى تلخيص لعمليات نهب واسعة بشعة للأراضي، وإقامة مدن بأكملها للصهاينة الذين يجيؤون من فجاج الأرض لينهبوا وطن الفلسطيني. وبدلا من أن يقف العالم العربى فى وجه الناهبين، ينقلب على من نهبت أرضهم وتشردوا "فى لبنان هناك قرار حكومى الآن بمنع الفلسطينيين المقيمين فى المخيمات من العمل فى 87 مهنة. أى أن بوسعهم جمع القمامة وتلميع الأحذية فقط. ومن يسمح له بالسفر من لبنان، لا يسمح له بالعودة إليه""ص167". لذلك ينفرد بهم العدو الصهيونى ويكيل حتى من يعودون منهم إلى أرضهم وفقا لاتفاقات أوسلو المتخاذلة صنوف التنكيل والعذاب. "يمنعون حتى القيادات من السفر إذا أرادوا""ص169" بل لقد فرضوا عليهم الإقامة الجبرية منذ شهور ولا أحد يحرك ساكنا، ومصالح العدو الصهيونى لا تمس وعلمه البغيض يرفرف فى عدد من العواصم العربية، أولها قاهرة المعز بفضل السادات وسلامه الكئيب.
حدس الانتفاضة
ويكشف لنا الكتاب عن تناقضات ما بعد أوسلو وعن الوضع الفلسطينى التعيس حيث السلطة الفلسطينية بلا سلطة. وكان هذا قبل أن يجردها شارون من ورقة التوت ويعصف بكل ما توهمت أنها حققته من انتصارات. وقبل أن تتحقق نبوءة الكتاب "علمنا التاريخ درسين اثنين: أولهما أن تصوير الفواجع والخسارات بوصفها انتصارا هو أمر ممكن. والدرس الثانى هو أن ذلك لا يدوم""ص148". ومع ذلك، فإنه عندما يقول الكاتب لأبى محمد جاره القديم "كان مجيئى غلطة إذن؟" يرد عليه هذا الفلسطينى البسيط، "بالعكس. كل من يستطيع أن يرجع وأن يقيم فليرجع على الفور. يعنى نتركها للفلاشا واليهود الروس وزعران بروكلين؟ هل نتركها للمستوطنين؟ ليعد من يستطيع العودة من الخارج. بتصريح لم شمل. بوظيفة، بالجن الأزرق. ابنوا فى قراكم إذا قدرتم. ابنوا مستوطنات فلسطينية فى فلسطين يا أخي! قال غلطة قال. يا عمى تعالوا""ص169" هذا الحدس الشعبى البسيط الصادق هو حدس الانتفاضة الذى يجعل كل امرأة فلسطينية تصرخ فى أى جندى من جنود الاحتلال الصهيوني، حينما يقبض على شاب فلسطيني: ابني، ابني! أتركوا ابني! وقد "صرخ الجندى فى وجهها وهو يجرجر الشاب: روخى كذابة. كم أم لولد واحد؟ مئة أم لولد واحد! أمشى من هون! صرخت فى وجهه: أيوة أحنا هيك. الولد عندنا له مئة أم. مش مثل أولادكم. كل ولد له مئة أب. ظاهرة المرأة الفلسطينية فى الانتفاضة تستحق التمجيد بلا تردد. لكن قصتها الكاملة لم تكتب بعد""ص142".

مسؤولية الأخ الأكبر

والواقع أن هذا الكتاب الجميل هو كتابة الكثير مما لم يكتب فى هذا المجال وبطريقة تتسم بالسيولة والسلاسة معا. هو كتابة لدور المرأة الفلسطينية فى الانتفاضة، ولدور الأخ الأكبر فى العائلة الفلسطينية من خلال كتابته لدور أخيه الأكبر "منيف" الذى مات فى ظروف غامضة فى محطة الشمال "جار دى نور" فى باريس. حيث يقول "إن كتبا كثيرة يجب أن تكتب حول دور الشقيق الأكبر فى العائلة الفلسطينية. منذ مراهقته يصاب بدور الأخ والأب والأم ورب الأسرة. وواهب النصائح والطفل الذى يبتلى بإيثار الأخرين وعدم الاستئثار بأى شيء. الطفل الذى يعطى ولا يقتني. الطفل الذى يتفقد رعية تكبره سنا وتصغره سنا فيتعلم الانتباه""ص45" وقد تعلم "منيف عبد الرزاق البرغوثى "1941-1993" الانتباه منذ شب عن الطوق، وقرر العمل بعد وفاة الأب كى يتيح لأخوته الأصغر التعليم الذى لم يتح له. فقد كتب لأخيه مريد فى رسالته الأولى له بعد التحاقه بجامعة القاهرة أنه يشترط أن لا أحول الدولارات التى تصلنى منه إلا فى البنوك الرسمية المصرية. إذا علمت يوما أنك تحول نقودك فى السوق السوداء فستعود إلى رام الله فورا. إنك الآن فى أول شبابك. وإذا بدأت حياتك بالالتواء فلن تستقيم أبدا""ص133" وقد يظن القارئ أن هذه حكمة رجل عركته الحياة، وخاض تجاربها. وهى بالفعل كذلك. ولكن منيفا كان فى الثانية والعشرين من عمره حينما كتب لأخيه الأصغر الذى لا يصغره بأكثر من ثلاث سنوات هذه الرسالة. لذلك ليس غريبا أن النص مترع بالحب والاحترام الكبير لهذا الأخ الذى رحل قبل الأوان. ويكشف لنا النص عن مفارقة إعجاب الأخ الأصغر بأخيه الأكبر وصغر سن هذا الأخ الأكبر حينما اطلعت رضوى لأول مرة على صورته فكان تعليقها المباشر "الله، بس ده ولد. وانت تقول أخوى الكبير! أخوى الكبير! افتكرته راجل عجوز. وهو قدك وشكله أصغر منك""ص134". لكن ما فات رضوى أنه بالفعل رجل عجوز برغم أنه فى مقتبل الشباب، وهل ثمة أقوى من فقدان الأب والوطن عاملا يقذف بالإنسان من الصبا إلى الكهولة مرة واحدة! لذلك يسعد مريد حينما يصدر ديوانه الأول وقد حمل تحت اسمه "بخطأ" غير مقصود ولكنه دال، اسم أخيه الأكبر منيف، ثاويا تحت اسم الأخ الأصغر الشاعر "مريد" وكأن امتزاجهما يؤكد أنه لولا "منيف" ما كان مريد "شاعرا" "ص194".

ميتات فلسطينية

ولذلك فإن ذروة هذا الكتاب الجميل تمزج بين عدة ميتات فلسطينية: موت الأخ الأكبر "منيف" فى الشتات الفرنسي. وموت المبدع الفنان ناجى العلى فى الشتات الانجليزي، وموت الفلسطينى العادى "لؤي" فى الشتات المجري. فى الموت الأول لم يستطع مريد الحضور، فقد استحال عليه أن يحصل على تأشيرة لفرنسا من القاهرة التى بلغه النبأ فيها، بينما استطاع فى الموت الثانى أن يكون فى لندن مع أسرة ناجى العلى عندما اغتالوه فى يوم عيد زواج مريد ورضوى 22 يوليو 1987، وأن يحضر مراسم الدفن فى ضاحية "ساري" قرب لندن. بينما لم يستطع أن يحضر مراسم دفن "لؤي" الذى قتلته زوجته غيلة فى ضاحية جبل "فيشجراد" التى تبعد عن مركز بودابست، بعد "ساري" عن مركز لندن. لكن الربط بين عيد زواج الكاتب واغتيال ناجى العلى يرده إلى ربط آخر بين عيد ميلاده واغتيال الموساد الصهيونى لغسان كنفانى فى بيروت فى 8 يوليو 1972، والجنازة البطولية التى قادها يوسف إدريس لتتزامن مع جنازة كنفانى فى بيروت، وموقفه البطولى حينما طالبه الأمن بأن يذكر أسماء من شاركوا معه فى الجنازة الرمزية، فقال له:"أنا حا أقولك أسامى الخمسين شخص كلهم. أكتب عندك يوسف إدريس، يوسف إدريس، يوسف إدريس، يوسف إدريس، يوسف … وهنا أوقفه الضابط عن الكلام. أنهى اللقاء ومضى فى سبيله""ص205". لكن هذا الموقف البطولى ليس هو موقف شعب مهان. إنه الاستثناء! أما القاعدة الأليمة المرة فهى كما يقول الأمير "هاملت" "أن ثمة شيئاً عفناً فى الدنمارك" أو ما يسميه الكاتب فى نهاية كتابه "التأقلم مع النقلة الخاسرة فى الشطرنج العربي. نقلة إلى الوراء. نقلة سلبية تنتكس بالمقدمات مهما كانت المقدمات إيجابية. بعد معركة الكرامة التى خاضها الفلسطينيون والأردنيون معا ضد العدو، ذهبنا إلى أيلول ضد أنفسنا. بعد حرب الـ73 وعبور القناة ذهبنا إلى كامب ديفيد. بعد مناهضتنا لكامب ديفيد عربناها وعممناها وقبلنا ما هو أقل منها فائدة وأكثر منها فضيحة. بعد اجتياح لبنان خرجت منظمة التحرير من الصمود البطولى إلى الاقتتال والاعتدال والتكيف مع شروط أعدائها. بعد الانتفاضة الشعبية على أرض فلسطين ذهبنا إلى أوسلو. دائما نتكيف مع شروط الأعداء. منذ الـ 67 ونحن نتأقلم ونتكيف""ص209".

منتهى التكيف

ويبلغ هذا التكيف منتهاه فى اتفاق أوسلو وفى خطاب رابين الذى سلب الفلسطينين حق الضحية. وجعل المعتدى الغاصب هو ضحية الحرب والعنف، ضحية جريمه اقترفها الفلسطينى الذى بنيت الدولة الصهيونية على أرضه، ودفع ثمنها من دمه. لكن الغاصب دائما ما يقلب الحقائق، ونحن نتأقلم ونتكيف! فهل ثمة أمل فى الخروج من هذا الهوان الرازح الذى ازداد ثقلا وفداحة منذ انتهاء الكتاب. أمل الكتاب الوحيد هو عودة الابن "تميم" ليرى رام الله مع أبيه فى الصيف القادم! فهل ستتم هذه العودة؟ إن الكتاب يترك هذه النهاية الأمل مفتوحة. وكن بنيته ذاتها تنطوى على ضرورة أن تكون عودة الابن مغايرة لعودة الأب المؤقتة والقصيرة. وإلا فلن نخرج من دائرة الشلل والهوان!

العرب العالمية، لندن