الشاعرالفلسطينى مريد البرغوثي:

الشعر يسقط إذا وقع فى التبسيط

 


مجلّد لأعمال الشعرية لمريد البرغوثي

خلود الفلاح

12/07/2006  

يؤرقه البحث عن الشعر المتخفى فى زحام حياته الشاهدة على اسماء مدن وشوارع وبيوت شكلت محطات غياب وسفر على عجل.

قرأته فى منتصف الليل وشدنى تميزه فى عرض المشاعر المختلفة للانسان الفلسطينى كإنسان.

مريد البرغوثى الشاعر الذى وصلنى نصه قبل أن ألتقى به ومنحنى مهرجان المتنبى الشعرى العالمى الفرصة لألتقيه وأسمعه عن قرب وأتحاور معه.

لا مُشْكِلَةَ لَدَي
أتَلَمَّسُ أحوالي...لا مشكلة لديّ
شكلى مقبولٌ. ولبعض الفتيات
أبدو بالشعر الأبيض جذاباً
نظّاراتى متقنةٌ
وحرارةُ جسمى سبعٌ وثلاثونَ تماماً
وقميصى مكويٌ وحذائى لا يؤلمني
لا مشكلة لدى .

* ذات مرة قلت الشعر ليس ضرورياً اذ يستطيع الانسان ان يعيش دون ان يدخل غاليري، دون ان يقرأ كتاب أو قصيدة. وأنا أسألك لماذا الشعر؟
- أقصد أن الشعر ليس ضرورة من ضرورات البقاء على قيد الحياة ولكن لا اقول ان الشعر ليس مهما، بعض الذين يتوهمون ان الشعر مثل رغيف الخبز وكوب الماء يسمحون لأنفسهم كتابة أى شيء بحجة انه يلبى "الحاجة". فى الواقع الشعر له شروط جمالية مثل أى فن كالموسيقى والنحت والسينما والمسرح والتطاول عليه بحجة نحن نقوم بعمل ضرورى للبشرية وان الوطن بحاجة الينا كشعراء مثل هذه التبسيطات أتاحت قول أى شيء تحت عنوان الشعر وإتاحة كتابة نصوص رديئة جدا وشكلت ازدحام شعراء فى كل مرحلة من المراحل. فأنا أقول ان الشعر مهم جدا والدليل أكتبه. وبالمناسبة انا متفرغ للكتابة والقراءة منذ سنوات طويلة جدا وقد اخترت ان أخسر خسائر كثيرة واعيا انها خسارات لمجرد احترامى لمهنة الشعر ودفعت أثمانا متفاوتة من تشتت عائلى وإبعاد وترحيل ومنفى بسبب الشعر.
أنا رجل مستقل لا انتمى الى احزاب سياسية واعتقد أن استقلالية فكرى ومنهجى الانتقادى فيما اكتب واقول وفيما افعل هو جزء من شعريتي، فانا ارى للشعر دورا خارج أى انه فعل انتقادى بالاساس، الشعر الذى يقرر ويمتدح ويزخرف الراهن شعر لا يحتاج اليه احد.
الشعر عمل إنسانى فنى هام جدا ولكن الشعر لا يحقق نتائج فورية مثلا الجائع يأكل فيشبع، العطشان يشرب فيرتوي. لكنه الشعر هو مجموعة قيم جمالية تعمل على جهة الوعى والمعرفة والجمال ويؤدى أثره فى التاريخ والزمن ببطء شديد وعبر تراكم الأزمنة وتراكم الاجيال. له علاقة بالذائقة العامة والذائقة الشخصية لكل فرد وبالتالى ليس له اثر مباشر. اقول لا احد يموت اذا لم يقرأ الشعر ولا أحد يعيش بمجرد كتابة الشعر إنما مع اعترافى بان الشعر ممارسه فنية شرطها الاساسى الجمال والذائقة واستقبال العالم وارساله بطريقة تخص صاحبها ليس فيها تقليد وانشاء. هذه الامور تدخل فى جماليات الكتابة وهى التى تصون الشعر ولا تجعلنا نحتاج اليه ثم أن الشعر ليس موجودا فى القصائد وحدها، هو موجود فى السينما والمسرح وفى وجوه البشر وحركاتهم وعاداتهم وفى السجون وفى المقاومة وفى ردود الفعل الانسانية وفى الطبيعة والطفولة وعلى الشاعر ان يصغى للاصوات الداخلية وللصور التى تتشكل فى وجدانه وان ينتبه لصور الحياة. فى كل هذه الاشياء هناك شعر.

الشعر والدهشة

على المسمار ذاته/على الحائط ذاته/علق الرزنامة الجديدة/هذا ما تستطيع ان تفعله.
* كتابك "منتصف الليل" نص واحد يجمع بين النثر والسرد القصصي. اليس كذلك. برأيك كيف يمكن للشاعر ان يعيد بث الحياة فى أشياء مألوفة، مكررة أو لنقل خلق دهشة ما؟
- أحد تعريفات الشعر عندى أن تخلق المدهش من المألوف وإن تجد تناقضات فى الحياة بمعنى قد تكون الأمور العادية لها أهمية بينما الأمور التى تسمى كبرى ليس لها هذه السطوة التى نظنها. عين الشاعر تصور الأشياء ليس كما ينبغى لأنها تحذف وتضيف للمشهد ما يجعل منه آخر صيغة جمالية تلفت الحواس وتجعلها تنتبه مستعيدة القدرة على الادهاش.
هذا كله جهد فى الكتابة لا يمكن أن يتم إلا بخبرات عالية فى التعامل مع الشعر بصفته عملا حقيقيا، وبالتالى لا يمكن الكتابة عن أى شيء فى العالم عن أى وجه عن أى مصير عن أى عاطفة عن أى قرية عن أى حركة جماعية أو فردية عن أى حاسة من الحواس. المهم ألا نكتب المألوف. الشعر ليس أن نقول الدنيا كما قيلت سابقا، ولكن أن نقولها كما لم تقل أبدا وهكذا يحاول الشعراء إعطاء شكل لمشاهد الحياة التى لا شكل لها.

الشعر والموت والحياة

* "ليلة لا تشبه الليل"، "أين تذهب فى مثل ليل كهذا"، "صلاة الى زيوس". هذه الثلاثية الشعرية اهى كتابة الموت ام هى محاولة ارجائه لزمن آخر أم هى كتابة الحياة بشكل جديد؟
- كل ما نكتبه فى هذه الحياة مداده الحياة، حتى الكتابة عن الموت ما هى الا زاوية للحديث عن حياتنا التى تتعدد فيها اشكال موتنا فالظروف الكارثية الضاغطة وظروف
الطوارئ الممتدة التى نعيشها كأن يكون عندك صراع منذ قرن على فلسطين لم يحسم ودماء تسفك ومآسى الهزائم العسكرية التى المت الديكتاتوريات التى تحكمنا والطغيان الذى نعيشه هذه الضغوطات قد تؤدى الى كتابة ما هو موجع، كتابة الغياب، كتابة الفقد، كتابة الموت، نحن فى الواقع نتحدث عن هذه الحياة ايضا. هذا التصنيف قصيدة موت وقصيدة حياة ليس له وجود.
هذه القصائد موجودة فى ديوانى ما قبل الأخير "زهر الرمان" هذه القصائد متجاورة فى الديوان مادتها اشكال عديدة، متفاوتة للموت ولكن طرق كتابتها مختلفة. "ليلة لا تشبه الليل" قصيدة تصور بالكاميرا طفلا يخرج من قبره يجتاز شوارع القرية ويطرق باب اهله وكله رغبة فى الرجوع اليهم والى فراشة بدل التراب يمد يديه لمصافحتهم فلا يلتفتوا ويمرمثل ظلال متقاطعة. هى محاولة لكتابة قصيدة سريالية عن لقاء وقع أصفه بانه وقع تماما وهو لم يقع على الاطلاق فهى قصيدة ما بعد واقعية.
"أين تذهب فى مثل ليل كهذا" قصيدة سردية والثانية قصيدة تحاور زيوس كبير آلهة الاغريق تلومه على ما يقع فى ارض الناس من موت متكرر وهى قصيدة جزء منها نثرى وجزء منها موزون المتضمن حوار مع زيوس هى حوار البشر مع المسؤول عن مصائرهم، حوار متخيل وهذه النصوص لا أسميها ثلاثية وانما ثلاث محاولات لكتابة كيف نرى فى حياتنا ما يحيط بنا من موت.
* هل نستطيع القول إن القاسم المشترك بين هذه القصائد يتمحور فى الموت والغياب؟
- هى محاولة لكتابة الفقد، محاولة لكتابة الخسارة أننا نعيش قرنا كاملا من الخسائر على كل الأصعدة ولكن كيف تكتبين ذالك وفى نفس الوقت تقومين بالمهمة الفردية التى هى تجنب التفجع. ما تحاوله هذه القصائد هو ان تكتب شكلا غير مألوف، ظاهرة الموت التى هى أكثر شيء أصبح مألوفا عند أى مجموعة بشرية خاسرة ومهزومة. لا أريد أن أتحدث هنا عن بناء القصائد ولكن الشعر عموما يسقط إذا وقع فى التبسيط أو الكليشيهات أو فى قول الشيء كما قيل آلاف المرات سابقا ففى الشعر يجب أن تبدو الأشياء وكأنها تقال للمرة الأولي.

العلاقة مع المكان

* الامكنة، الشخوص، الذكريات، التفاصيل اليومية تشكل جزءاً من ذواتنا. كيف تصف علاقتك بهذه الاشياء وأنت من عاش متنقلاً بين مدن عدة وبيوت عدة؟
- نحن أبناء تفاصيل حياتنا اليومية ما حياتك اذا لم تكن هى التفاصيل التى تحدث لك منذ الاستيقاظ فى الصباح الى الخلود إلى النوم هذه التفاصيل يوما بعد يوم سنة بعد سنة تشكل شخصيتك وتشكل مفاتيح علاقتك بالعالم بالمكان الذى انت فيه بالأماكن التى ترددينها، بالوحدة التى تتعاملين معها، بالاصوات التى تصغين اليها، باساليب البشر فى التعامل معك. العين البشرية ترى وتلتقط وتنتبه وتحاول ان تستعيد ما ترى وتعيد كتابته عبر القصيدة اوالسينما او المسرح.
نحن ابناء شؤوننا التى تبدو عابرة ولكنها تبقى أثرا يشكل شخصياتنا والشاعر يلتقط هذا الهامشى والعابر والبسيط يتوقف عنده ويتعمق فيه.
ليست لى علاقة حميمية بالمكان على الاطلاق فهذه العلاقة انعطبت منذ زمن فى العام 1967 لم استطيع الرجوع الى مكانى الاول رام الله وعشت فى حوالى 30 بيتا مرغما عليها جميعا وبالتالى الخوف فى فقد مكانى عودنى الا أتشبت به.
أخشى التعلق بالاماكن واحيانا اخشى التعلق الشديد بالاشخاص لأن دائما هناك احساس باننى سافتقدهم وهذا منبعه احساسى بانه ليس هناك مكان دائم لشخص مثلى وعندما جاءت الفرصة لرؤية رام الله بعد ثلاثين سنة كانت تجربة مختلطة فيها البهجة بالمرارة. . أقول دائماً ان الحياة تستعصى على التبسيط وليس كل منفى فى عودته حل وليس كل من يعيش فى وطنه لا يشعر بالغربة.
التعلق بالاماكن يؤدى الى الالم لاى شخص مثلي. عموما أنا عايش فى الوقت وليس المكان. عشت سنوات طويلة لست قادراً على تحديد اين أعيش وأين اذهب، طردت من مصر لمدة 71 عاما اضافة الى 20 عاما كنت محروما من دخول عمان. ومنذ العام 1982 لا أدخل بيروت. تنقلت فى مدن عدة وعشت فى بيوت لا أنتقى أثاثها، فناجينها، ملاءات سريري. كنت فقط أربى النباتات أتعلق بها وحين أضطر للمغادرة أهديها للاصدقاء. فى كل مرة أغادر بلد أخذ معى الثوابت كالقواميس والمراجع فقط.

تجربة الإنسان الفلسطيني

* "منتصف الليل" حياة كاملة لتجربة الانسان الفلسطيني، مشكلاته اليومية، مشاعره المختلفة، دمج العالم الخارجى بالعالم الشخصي. ماذا تقول؟.
- لا أستطيع أن أقيم الكتاب، أستطيع أن أصفه بأنه عبارة عن ديوان شعر فيه قصيدة واحدة هى منتصف الليل هذه القصيدة تصور رجلا فى منتصف ليلة تفصل بين عامين تحديدا فى الساعة الثانية عشر فى ليلة رأس السنة يجلس على حافة السرير ونافذته مفتوحة تبدأ القصيدة بأنه يمزق الرزنامة التى على الحائط يمزقها ويلقى بها من النافذة ويقول أريد أن أنسى هذا العام الكئيب وسأتذكر الأشياء البهيجة التى تخصنى ثم تبدأ هذه الأوراق الممزقة بإعادة تشكيل نفسها وتدخل من نفس النافذة على غير ترتيب والقصيدة هى علاقته بما يري. علاقته بما يقتحم عالمه فى هذا المساء المحدد فى منتصف الليل وطبعا كل العناصر التى تداهم هذا الشخص تأتى معها موسيقى تخصها ولغة تخصها. أقول كل التفاوت الذى يمكن أن تقدمه الحياة نجده مترجما بالمفردات وأجوائها كما يتفاعل معها بطل القصيدة.
عندما بدأت هذا الكتاب لم أكن بصدد كتابة قصيدة طويلة ولكن بدأت أصف هذا الشخص جالسا فى منتصف الليل ممزق الرزنامة ولم أستطيع التوقف كلما داهمه مشهد تابعه مشهد آخر ومستسلما لمسودته واستمريت فى الكتابة لمدة عامين وأنا أتابع العلاقة بين هذا الشخص والنافدة المفتوحة التى يدخل منها عالم آخر يعيد بناءه عبر القصيدة.
منتصف الليل تجربة مختلفة عن تجاربى السابقة هذا الكتاب نص واحد بمعنى أنا لا أتوقف عند شكل واحد وكلما أشعر أنه هناك طريقة أتقنها فى الكتابة أهجرها إلى سواها. الشاعر كلما حاول الاقتراب من حلول لكتابة قصيدة يجد نفسه يحاول طول العمر ويموت دون أن يجد حلول كافية لمعضلات الكتابة صدقينى كل ما أحلم به ألا أكفى عن المحاولة.

رام الله الحزينة

* سرديتك "رأيت رام الله" أنستطيع القول إنها إعادة اكتشاف رام الله التى غادرتها منذ ما يقرب الثلاثين عاماً؟
- هذه أحد أشكال قراءة الكتاب ولكنها أيضاً كتاب الثلاثين عاما بدون رام الله.
رأيت رام الله هو كتابة عمر كامل خارج المكان وكتابة المكان بعد القدرة على رؤيته مرة أخرى ولاحظى الاهمية للاسم رأيت رام الله وليس عدت الى رام الله لأن ما حدث انه وجدت رام الله ما تزال رغم كل الحديث السياسى عن اتفاقيات وسلطة وطنية وانسحابات وسيادة ما زالت تحت الاحتلال بل فلسطين كلها تحت الاحتلال.
أرى فى السلطة الوطنية الفلسطينية كل أشكال السيادة الفردية للوزراء والمهمين ولا سيادة للفلسطينى على الاطلاق. وهذا مشهد مرير وموجع. كما تعلمين كل الاتفاقات التى وقعتها السلطة الفلسطينية مع اسرائيل لا تلزم الا الفلسطيني، هذا الاتفاق المفبرك فى السياسة لا يلزم الاالجانب الأضعف.
* عدت الى بئر عسانة بعد هذا الزمن. كيف استقبلتك؟
- تسألين كيف استقبلتنى للاسف وجدتها كما هى بينما المفروض ان تكون أصبحت مزدهرة وكبيرة بمعنى أصبحت مدينة فيها أماكن للعمل ومسرح ودور سينما. لكن الواقع يقول ما زالت قرية، ما زالت كل ملامحها كما هى وهذا ما يفعله الاحتلال انه يعيق تقدم المكان.
أدب المقاومة
قال المغناطيس لبِرادة الحديد
أنتِ حُرَّةٌ تماماً
فى الاتجاه إلى حيث ترغبين!
* أدب المقاومة، أدب النكبة هذه المصطلحات هل أوجدها التقسيم النقدى أم هى مجرد تسميات فرضتها ظروف معينة مرت بها الاوطان وكيف يقف المثقف امام هذه التصنيفات؟
- يقف النقد امام التصنيف عندما يعجز فاسهل شيء ان تقومى بالتصنيف، فمثلا تصنيف الاجيال شيء تافه جدا، القصيدة العربية ظلت محافظة على شكلها 15 قرنا أى
5001 سنة ثم تغيرت فى منتصف القرن العشرين الان يزعمون ان كل خمس سنوات، ربما كل عشر سنوات وربما كل سنتين هناك حساسية جديدة فى الشعر العربى وهناك شكل جديد .. هذا كلام ليس صحيحا سببه الكسل النقدى داخل كل شاعر هناك حساسيات تتصارع داخل كل حقبة زمنية هناك تماثل وتشابه وهناك ايضا افتراق وتناقض فى التجارب التى نقرأها الشاعر نفسه لا يكتب نفس القصيدة طول عمره ولا يقدم نفس الاجواء ولا نفس الحلول الكتابية لا بد ان تتغير الحلول وتتغير أسئلته كشاعر ومحاولاته للاجابة على اسئلة الكتابة.
وبالتالى هذا التقسيم لا اقره على الاطلاق واضحك من أى ناقد يقسم الشعراء الى اجيال على ذلك سيكون عندنا مئة حساسية شعرية فى قرن ثم التصنيف الجغرافى مثل شعر فلسطينى وشعر ليبى وشعر سورى أقول نحن نكتب باللغة العربية ونحن ابناء هذه الثقافة وعلى الشعر العربى الا يتبع النقاد فى تقسيماتهم وكأنه لا بد ان تكون هناك ملامح لكل قطر ثم لكل مدينة ثم لكل قرية ان تصغير الشعر على الصعيد الجغرافى أى اقطار برأيى هذا التقسيم برلمانى أيضاً تقسيم الشعراء على العلاقة بالموسيقى شعراء النثر، شعراء العمودي، شعراء التفعيلية هذا التقسيم انتهى فى اوربا من 200 سنة.
المهم كل قصيدة يجب ان تبرر شكلها، ومنطقها الداخلي. الخلاصة هذه التقسيمات هى تنمية للكسل النقدى المحض ولا أعيرها أى اهتمام على الاطلاق.