الإثنين 10 جمادى الأولى 1425هـ - 28 يونيو2004م

منارات: مع الشاعر مريد البرغوثي (1)

 

اسم البرنامج: منارات (الجزء الأول)  مقدم البرنامج: كوثر البشراوي تاريخ الحلقة: السبت 26/6/2004

 

ضيف الحلقة:الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي

الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يقرأ:

سهرة

سأوقظ هذا المساءَ شهيداً من القبر

أصحبه في شوارع هذي المدينة,

سأبقي عليه الدم المتخثّر, والوجع المستديم

وذكرى احتياجٍ, وذكرى التخلّي

سأُبقي بأذنيه صوت الرصاص الذي

رجّه.. رجّه.. رجّه ثم أرداه فينا

وأقصاه عنا

سأسنده بذراعي وأوقفكم

حدّقوا فيه هل تجرؤون؟

وأعلم يا إخوتي أنكم تجرؤون

وتستكملون التزيّن

للسهرة التالية.

الشاعر ولغة الحقيقة

نحن في حالة احتضار على المستوى الرسمي, ولكننا في حالة احتشاد على المستوى الشعبي

كوثر البشراوي: وأعلم يا أخوتي أنكم تجرؤون وتستكملون التزين للسهرة التالية, أصدقاءنا المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, ضيفنا اليوم هو شاعر يرفض تبديل ثوبه الأصيل, وأقصد هنا الصدق, وكلمة الحق, ذاك الحق الذي قال عنه إن لم تخني ذاكرتي الإمام علي - كرم الله وجهه - قال: أيها الحق, لم تبقِ لي خليلاً, ولكن ألا تحتاج فلسطين وباقي الأراضي العربية والإسلامية المطعونة والمذبوحة في هذه الأيام, ألا تحتاج إلى كلمة حق أكثر من ذلك الكم الهائل من العشاق والمحبين والأصدقاء الذين يتعاطفون معها؟ ولكن يستكملون تزينهم للسهرة التالية؟ مشاهدينا الكرام الدردشة هذا المساء تجمعني بشاعر ينتمي إلى القلّة.. القلّة, إلى أولئك الذين يفوق نقاء باطنهم نقاء الظاهر, ويفوق تألمهم لهذه الأمة كل العبارات التي ينشرونها ويتلونها على أسماعنا, كُثُر هم المشاهير والأغنياء والأقوياء والأسماء اللامعة في عالمنا العربي في طبعاً المجال الأدبي وأيضاً السياسي, لكنهم قلة أولئك العظماء في الفكر والروح والفعل. مشاهدينا الكرام أنا لا أُخفي هذا المساء فرحي بالفرصة التي أتيحت لي للجلوس أمام الشاعر العظيم "مريد برغوثي", ولا أُخفي فرحي أيضاً أن أدعوكم جميعاً للانضمام إلينا, وصدقوني الدعوة مفتوحة مجانياً المطلوب فقط شيء من الوقت, وشيء من الإصغاء. أهلاً وسهلاً بكم.

أولاً مرحباً بك, ثانياً طبعاً هذه انطلاقه لحلقة كان بودّي أن تكون فرصة للغوص في سيرتك الذاتية وفي حياتك مع الحياة, ومع الشّعر, لكن أولاً القصيدة في حدّ ذاتها توقف الريق عرفت كيف يعني الواحد ما يقدرش الواحد يوقف يبلع ريقه, لأنه جميعاً بدون استثناء نشعر بشيء من الخجل والعار, فكيف يمكن لنا أن نستغل هذه المساحة الزمنية للحديث من الوجع الذاتي إلى الوجع العام؟ وهل للشعر محل الآن؟ هل هو يحمل إجاباته؟ هل هو يحمل معه أسئلة أخرى؟ ساعات أقول: لماذا أنتم ما زلتم تكتبون الشعر؟ يعني ما هو دوركم؟ هل هناك ضرورة للحديث مع شعراء؟ هل هناك ضرورة لإقامة مهرجانات شعر؟ هل من جدوى من هذا الشعر؟

الشاعر مريد البرغوثي:

 طرحتِ سلسلة من الأوجاع وبواعث الأسى والغضب في جملة واحدة, وهذا يناسب تماماً ما أتصوره, من أنّ البشر ليسوا مقسّمين إلى غرف منفصلة بحوائط إسمنتية ولا معدنية, ليسوا رفوفاً في سوبر ماركت, بمعنى أنّ الوجدان ليس متجزئاً, نظرة المرء للثقافة, للسياسية, للمجتمع, للمرأة, للطبيعة, للمصائر البشرية, هي نظرة متكاملة, في حالة التردّي العربي الذي نعيشه اليوم, لا تتوقعي سيدتي أن ينصع ويتلألأ مظهر من مظاهر حياتنا في وقت ينهار فيه عشرات المظاهر الأخرى, نحن في حالة احتضار على المستوى الرسمي, ولكننا في حالة احتشاد على المستوى الشعبي, أنا أحب فعلاً للمشاهد والمستمع أن لا يرى أنّ الظلام كامل, الأنظمة لا تسقط فجأة في العالم كله, تسقط أولاً في وجدان شعوبها, ثم بعد سنوات 5 – 10 – 15 سنة, يحدث تغيّر لا يتوقعه أحد. أنا عشت فترة في وسط أوروبا حيث كانت الحركات الشعبية كلها تعبّر عن امتعاض بكافة وسائل التفاصيل اليومية, من الحياة تحت الأنظمة (الشيوعية) بين قوسين, بمعنى أنه لن يكونوا يطبقون الوعد على البشر كما هو في الكتاب, وبالتالي كان هناك نوع من الانفصال, الحكومة في واد والشعب في واد, ثم فجأة انفجر كل شيء, أرى أنّ هذا الآن يحدث في عالمنا العربي, انفصال مطلق بين الشارع والناطقين باسمه, في صعيد الثقافة هناك انفصال بين الثقافة السائدة ثقافة الأوائل, ثقافة الأكثر نجومية, والأكثر انتشاراً, والثقافة التي تحتدم ولا تُرى ولا تُتابع في قرى لا نعرفها, وفي صفوف جامعية لم نسمع بها, وفي ناس يحاولون, ولا يوجد حصر حقيقي لما يُكتب في الثقافة العربية, حتى نقول أنه جيد كله أو رديء كله, لكن في الأزمة التي تتعرض لها الثقافة هي جزء من أزمة هذا المجتمع, بمعنى نحن الآن نستبدل الشيء بمظهر الشيء, عندما تسمعين عن كلمة مثلاً مهرجان المسرح ثقي أنهم سيعتنون بكلمة "مهرجان" سيُمهرجون كل شيء, وستنشطب كلمة المسرح, مهرجان الشعر سيعتنون بمهرجة الحالة صحافة قوانين إعلام دعاية صور بوسترات أخبار مقابلات, ولكن الشعر نفسه سيرمى إلى خارج الشبابيك, لن يعتنى به.

كوثر البشراوي: لا يجوز للشاعر أن يمتلك لغة الطغاة اللّي أنت رافضها, بمعنى.. بالمعنى الثقافي والأدبي طبعاً أن يكون مباشراً في الكلمة, أن يستخدم مصطلحات مباشرة في الثورة, أن يتحول الشعر وتتحوّل القصيدة المعنية بفلسطين بالذات, إلى خطاب سياسي ومباشر وصريح ووقح في بعض الأحيان.

[[[الشعر يتعامل مع كل عناصر الحياة والموت, مع المصير الإنساني, مع الذات والموضوع]]]

الشاعر مريد البرغوثي:

ليكن لكن لنتوقف عن تسميتها فناً أو شعراً أو قصيدةً, بمعنى أنه إذا ظلّ العمل داخل الشعر شأنه شأن الصحيفة أو الخطبة أو موعظة المسجد أو هتاف المظاهرة فيكون الشاعر قد مارس البطالة فقط, أين عمله كشاعر؟ الشعر في الواقع إنه هو أعمق من الراهن, والشعر يتعامل مع كل عناصر الحياة والموت, مع المصير الإنساني, مع الذات والموضوع, مع العالم الصغير الداخلي microcosm, مع العالم الأكبر macrocosm وبالتالي لتكتب القصائد في أي موضوع, ولكن علينا أن نحوّلها إلى شيءٍ متأصلٍ في إدراكنا الشخصي أولاً, بمعنى إذا ظل الخارج خارجاً عندما نكتبه في القصيدة فتكون لم نقم بعملنا الفني, أعتقد أن أبسط وأسهل وأرخص أشكال التضامن مع أصحاب أي قضية كالقضية الفلسطينية, أن نقول لهم هذه الشعارات والخُطب وربما نتبرع ببعض المواد التموينية أو بعض المال..

كوثر البشراوي [مقاطعة]: كالصدقة.

نصرة فلسطين بتصحيح الأوضاع

الشاعر مريد البرغوثي:

نعم، وبالتالي حتى نسلبهم كونهم أبطالاً, يعني سأخرج قليلاً عن الإجابة على السؤال, يؤذيني جداً التعامل مع الشعب الفلسطيني بصفته فقط شعب جائع, وصاحب حاجة, ويعني ينهمك الجميع في تدبير عطايا له من خبز وماء وبعض المساعدات المالية، جانب الشعب الفلسطيني المقاوم البطولي, بطولة حزينة لكنها بطولة, بطولة دامعة ولكنها بطولة, تضحيات مكلفة ولكنها تضحيات, الشعب الفلسطيني ليس ضحية إنه يضحّي أيضاً, بمعنى يجب أن يقدم للشعب الفلسطيني احترام لبطولته, وليس فقط أكياس من الرز والطحين بصفته صاحب يد سفلى حرام, الشعب الفلسطيني قدّم إزاء أبشع آلة حربية عرفها العصر الحديث قدّم بلا سلاح تقريباً بطولات عظيمة حقاً, إن لم نرد أن نضع عبارات أكثر مبالغة. عظيمة قياساً بإمكانيات هذا الشعب, وقياساً بما يواجهه من جبروت القوى العسكرية الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. لكن حبيت أعمل هذا الخروج البسيط لأتوقف إنه لا نريد ملطمة من أجل الفلسطينيين, ولا مناحة من أجل الفلسطينيين, شكراً لمن لديه دموع زائدة, يريد أن يحدث التضامن اللائق الذي سأصفه بالتالي, في موقعه أو موقعها, كل مواطن عربي أو مواطنة عربية, عليها أن تكون حيث هي, في هذه العاصمة أو تلك وحيث هو في هذه العاصمة أو تلك, أن يتجنب أن يكون جزءاً من الفساد الراهن, أن لا يكون لصاً أن لا يكون منافقاً للحكّام, أن لا يكون متستراً على فساد السلطة, أن لا يكون جزءاً من التزوير والتزييف, أن لا يكون جزءاً من الإعلام السعيد الأبله, أن لا يكون جزءاً من الابتذال الثقافي, وجزءاً من التربح الشخصي, فإذا كان الشخص يمارس كل هذه الرثاثات في موقعه في العواصم العربية, ها؟ كتابة أغنية عن فلسطين, أو تقديم نشيد لفلسطين, أو أوبريت عن فلسطين, تخرج فيه المطربات وأصحاب يعني المهن المختلفة على المسارح, ها؟ هذا ليس تضامناً. هذا غسيل أموال إنّو كن رثاً كما أنت, كن جزءاً من الفساد الراهن والخراب العربي الراهن, كن مزوّراً, ولصاً, ومتواطئاً مع الحاكم, ومنافقاً, ولكن في قضية جاهزة موجودة على الرف نبيلة اسمها فلسطين كلما كثرت دماء الفلسطينيين أعطهم قصيدة, أغنية, أوبريت, مهرجان, هذا ليس تضامناً يا سيدتي, التضامن أن نتقن عملنا أينما كنا, أن نكون جزءاً من الحركة الانتقادية في مجمعاتنا, أن لا نكون جزءاً من فساد الثقافة, والسياسة, والاقتصاد, والإعلام, والحالة الاجتماعية, وبالتالي أنا لا أفصل بين صاحب موقف حقيقي من القضية الفلسطينية, ربما لا يستطيع أن يقدّم مالاً, لكنه يقدم أكبر من أي مموّل أو متبرّع إذا كان شريفاً في موقعه في وطنه, يعني إذا سُلِّم منصباً يقوم به بأمانة, أن لا يكون طالب بغش في الامتحان, ولا مدرس بغشش, ولا وزير بيرتشي, ولا مطرب يطوف البلدان مادحاً هذا أو ذاك, وبالمناسبة لما لا قصيدة عن فلسطين فهي تزيد الشعبية أيضاً, هذا غسيل الأموال, ومن أسهل الأمور أن نقدّم خطبة أو موعظة, لكن من أصعب الأمور أن نُقلّم أنفسنا, وأن نُهيئ أنفسنا إلى أن نكون بشراً لا يملكون ترف الخطأ, يقولون لك الفساد في كل مجتمع, والنفاق في كل مجتمع, والشعراء يمدحون هذا وذاك في كل مجتمع, نعم ولكننا مضروبون في العظام, ومهددون بالفناء العاجل, وبالتالي لا نملك ترفاً أن نكون كأولئك الفاسدين الذين يشبهوننا بهم, نعم هناك فساد لكن نحن آخر من يحتاج إلى الفساد, نحن بحاجة إلى كل شيء أن يُصنع بطريقة أفضل مما يمكننا, علينا أن نُبدع في كل شيء, أن نأتي بأقصى طاقة في كل مجال, الذي يملك لفلسطين فقط بعض المناحات الغنائية ليس متضامناً, والذي أنا يعني أنحني بكل احترام لفلاحي القُرى العربية وفلاحاتها, الذين كانوا يجمعون كيساً من الرز أو كيساً من الطحين ولكن هذا أسلوبهم الوحيد, كمواطن عادي في حقله, في بيته, في عمله البسيط, ولكن المثقفون وأصحاب الكلمة, أو الموسيقى, أو المسرح, هؤلاء يجب أن يقدّموا فناً حقيقياً, تحدّثت عن القصيدة, القصيدة إذا ظلّت تكرر الهتاف لفلسطين كما نسمعه في المظاهرة وفي خُطب الجوامع وفي كتابات الجدران لا نكون قد قدمنا فناً, إنّ الأمم التي تعيش أوضاعاً صعبة هي بحاجة أكثر إلى الفن من الأمم السعيدة صدقيني, أن حاجة العالم الثالث إلى الشعر هي عشر أضعاف حاجة النرويج والسويد وفنلندا إلى الشعر والشعراء, الشاعر بالعالم الثالث يرفع على كاهله قوة الصح في قضاياه الوطنية, قد تتعثر في الطريق, قد نكون مضروبين خاسرين تلحق بنا هزائم, لكن قوة الصح في قضايانا يجب أن تظل في وجدان المثقف, حتى لا نفرز أجيالاً من اليأس, وحتى يظل الأطفال القادمون لهم قضية يحملونها, ويسألون عن سبل لإصلاح الفاسد فيها.
 

[فاصل إعلاني]

 

الإصلاح يقطع الأرزاق

نحن لسنا حالة كلينكية كفلسطينيين, نحن لسنا جماعة أبو سياف, يعني فئة معزولة تكره العالم والعالم يكرهها, وحوالينا أمور غامضة, لأ, نحن واضحون نحن شعب مستقر منذ قرون في هذه الأرض

كوثر البشراوي: أستاذ مريد أنت بتحكي بمنطق من؟ منطق الكائنات المثالية؟ ولاّ منطق الحياة الحقيقية؟ يعني أنت كلامك جميل كلامك صريح, لكن لو طبقنا هذا الكلام على كل الناس أن المرتشي يبطل يتوب من رشوته, والطبال الرئيسي يبطل تطبيل قطعت رزق الناس أنت, يعني الناس اللي بتطلّعهم من هذه البيئة الموبوءة, الناس لا تقدر تنصب ولا حتى تكتب شعر يعني، إذا ما ركزت على السرقة, ما يقدرش يبدع الرجل يعني أنت سكرتها بوجه الجميع, وفي ناس رزقهم من الرشوة ورزقهم من النفاق ومن الدجل ومن التلميع؟

الشاعر مريد البرغوثي: بس أنا في الواقع لست مبشراً ولست داعية لأحد بمعنى ليمضي..

كوثر البشراوي: قضية فلسطين على فكرة فرصة للارتزاق, في ناس لولا فلسطين ماتوا.. ماتوا جوعاً..

الشاعر مريد البرغوثي [ضاحكاً]: ليمض كل في شأنه كما يشاء, لكن أنا أناقش وأنتقد أصحاب المزاعم الوطنية, بمعنى ليكن هناك شخص تنطبق عليه الصفات التي ذكرتيها وهو في حاله, يعني أنا أنا لن أحاسب أحداً ليس لدي سلطة. أنا ألاحظ وأراقب كمواطن, سأمرّ في هذه الدنيا عيني ترى وتشاهد, وإذا سُئلت فلي لسان يجيب, ولكن أنا أردّ على أصحاب المزاعم بأنهم قدمنا لفلسطين أو يعني تلقي دعوات أوبريت من أجل فلسطين, الذي أسميه غسيل أموال هو الذي يريد أن ينتسب إلى خانة النضال الوطني بمقدار ما يكون الدم شديد النزف, بمقدار ما تكون الجثامين أكبر من عدد القبور المحفورة, بمقدار ما تكون أسرّة المستشفيات أقل من القادمين إليها أشلاء، يعني كلما ازداد وضع الفلسطيني كضحية كلما ازدادت الأغاني, وازدادت الأناشيد وازدادت الأوبريتات, رأيت في بلد عربي يا سيدتي مهرجاناً على المسرح المطربات والمطربون وراقصوا الفرق الشعبية, يحملون يفطاً القدس عربية, يسقط شارون المجرم شارون, والدولة كلها تصفق لهم في المسرح, بينما في نفس اليوم كانت المظاهرة الحقيقية في الجامعة يُطلق عليها الرصاص, إذاً المظاهرة التي من تراب الأرض وعلى الشارع ومن قلوب الناس, المظاهرة الدنيوية الحقيقية غير المزخرفة وغير المنسقة وغير الملونة بألوان ديكورات المسرح لها الموت والمنع وتطويق الجنود لها, وإرسال الناس إلى السجون, بينما على المسرح تظاهروا كونوا حلوين أنت كلكم بتحبوا فلسطين, وبالتالي كل الشعوب التي خاضت معارك عادلة كانت خاسرة جداً, عندما ذهب الشعر الذي كُتب في أيام ثورتها لأنه لم يكن يرقى إلى مستوى الأداء الإنساني الحقيقي الذي يقدمه البشر الذين هم وقود الثورة, سيدتي هناك نقطة مهمة جداً جداً أرجو أن لا يفوت الوقت قبل أن أشير إليها, لماذا نحن أو في وضعي أنا ضد المباشرة والخطابية في الشعر؟ لأن مهنة الثقافة الأدب والفن عموماً والشعر بالتحديد, هو أن ينقذ العالم والتعبير اللغوي عن هذا العالم, أن ينقذه من التبسيط والتسطيح, التبسيط والتسطيح آفة في التفكير الإنساني, وآفة في فهم البشر, آفة في فهم العلاقات بين الرجل والمرأة, بين الزوج والزوجة, بين العشاق بين الدول بين الأحزاب, التبسيط والتسطيح المخل شيء بغيض, ولكنه في الشعر إذا أتينا بتبسيط داخل القصيدة بنكون إحنا مهما كان الكلام ثورياً بنكون وقفنا في صف التخلف, لأن التبسيط تخلف, الهم الذي يحمله شاعر حقيقي هو كيف أن أقدم تركيبية الحياة, تعقيدها, عمقها, بشكل لا يستعصي ولا يستغلق على الأفهام, ولا يضحي بالمشترك بيني وبين المتلقي هذه المعادلة, إنما إذا أنا أنتجت عملت إعادة إنتاج للضحالة, وبسّطت المنطق إلى يسقط ويعيش, وإلى موعظة مباشرة, بكون سقطت في هذا التبسيط, وأنا كنت أتحدث في مناسبة أخرى على مثلاً التوظيف الفني لزغرودة أم الشهيد, الشاعر عليه أن لا يتوقف أمام أنها تزغرد, لأن الحياة أكثر تعقيداً من ذلك, ولقد تزغرد في الجنازة ثم تبكي في الفراش لوحدها, على القصيدة أن تكتب هذا التعقيد البسيط الضروري, وإلا نتحول فعلاً كما يقول أعداءنا إلى ناس نرقص للموت، نحن لا نرقص للموت سيدتي نحن نحب هذه الحياة إلى درجة أننا قد نموت في سبيلها, لسنا أصناماً تتفتت من الإسمنت, لأن لا فضل للصنم إذا تفتت نشعر بالوجع, لكن عندما يفتت المرء جسده في عملية استشهادية عندما يقدم روحه بكل الخسارات التي تتبع ذلك, من خسارة انتقاله من الوجود إلى الفناء عن هذه الدنيا, ومن ما يخلّفه من إحساس من بالفقد والوجع بكل محيط عارفيه ومحبيه, هذا الذي يقدّمه هذا الفادح الذي يقدّمه هو الذي يجعل لموته كل المعنى, إنما إذا كنا كما تقول بعض الأغاني لا نهاب الردى, فلا فضيلة لنا في الموت, فضيلة موتنا أننا نهاب الموت, ولكننا في وضع سنذهب إليه مهما يكن, أنا أريد للبطولة أن تبدو بطولة, لا أريد أن أُسطحها فتبدو بلهاً وعبطاً وعبثية, عبيط اللي بيروح للموت بلا سبب.

كوثر البشراوي: ولكن بين قوسين فقط ملاحظة بسيطة, أن موضوع التبسيط لمّا يأتي مثلاً في مظاهرة في الشارع, طلبة في جامعة يخرجون ويقولون ستنتصر فلسطين, ولتعش فلسطين كذا كذا، هذا ليس تبسيطاً بل..

الشاعر مريد البرغوثي [مقاطعاً]:

لا أطلب من المظاهرة أن تؤلف قصيدة, ولا أطلب من الشاعر أن يؤلف مظاهرة.كوثر البشراوي: هذا ما قصدته فقط من باب إيضاح هذه النقطة, هنا نتحدث عن شكل القصيدة, ونتحدث عن بساطة المواطن العادي, ولكن هي عمق وجوهر حياته أصلاً بيقولها.

حاجة الشعوب إلى فنونها

الشاعر مريد البرغوثي:

الشعوب تحتاج إلى فنونها, أحياناً قد تقول الإذاعات ذلك وهي تكذب, وهي لا تدري ماذا تقول, وعن دور الفن وعن دور المثقف في لغط كثير, بس حقيقةً هم لا يعون كم مهم أن يكون للأمة فنها وثقافتها, موسيقاها, رقصها غناؤها, فنونها الشعبية, فنونها المعمارية, نحن لسنا حالة إيكلينكية كفلسطينيين, نحن لسنا جماعة أبو سياف, يعني فئة معزولة تكره العالم والعالم يكرهها, وحوالينا أمور غامضة, لأ, نحن واضحون نحن شعب مستقر منذ قرون في هذه الأرض, تعرضنا لغزو صهيوني إلى مشروع صهيوني, صحيح أنه انتحاري على المدى البعيد لكن حقبتنا فيه صعبة جداً, المشروع الصهيوني أتى بكراهية لليهود في منطقة لم يكونوا مكروهين فيها أبداً, بلاد العرب المشروع الصهيوني أتى بمشكلة حتى لليهود, جعلنا لا نراهم إلى جنوداً وقتلة, وهو الآن يمارس كل أشكال العنف مطمئناً إلى أنه الرابح, ولكنه رابح الآن فقط, صدقيني سيبقى هذا المشروع يتقدم نتيجة ضعفنا العربي, لكن لا ضعفنا دائم, ولا قوتهم دائمة.

كوثر البشراوي: طيب أستاذ مريد أعود إلى اللغة التي ممكن أن نغلف بها, لأن اللغة هي لباس لمعنى, ممكن أن نوصل هذه المضامين من خلال اللغة, لا هي تبسيط ولا هي عنتريات, حسب رأيك أين تكمن المنطقة الوسطى اللغوية؟ أعطني نموذجاً على ذلك.

الشاعر مريد البرغوثي:

لأ سأجيب في الأول على السؤال الأول, اللغة في الشعر تكون كالتالي: في تصوري الشخصي على المفردات أن تكون متمتعة بصفة البعد عن الشاعرية الجاهزة, يعني فيه مفردات جاهزة وهي في القاموس والكلمة نائمة في القاموس فيها شاعرية, أكيد كلمة الثوم ليست ككلمة البنفسج, والمسافات والرؤى ليست ككلمة البصل, وليست ككلمة الجدار أو الحائط, فكل التأوهات في الغزل, وكل التأوهات والهتافات في السياسة, جاءت من أنه إحنا بندوّر على كلمة اللي جاهز فيها محمول ليس من صنع الشاعر هو من الموروث اللغوي التاريخي, بمعنى على الشاعر أن يبحث عن المفردات دون تزويق, ودون البحث عن شاعريتها الجاهزة, بمعنى نحن من لغة مادية, لغة ملموسة, لغة حادة, لغة ملموسة ومحسوسة, ويمكن إدراكها بالحواس, لغة مادية يعني مفردات محددة المعاني وتبدو عادية ومشتركة بين الجميع, نصنع علاقات تؤدي إلى دهشة الأثر الكلي للفرد, يعني نكتب بلغة هي مشتركة بيني وبين المتلقي, لكن أؤدي إلى شعور جديد لم يكن محسوساً به بهذا الشكل سابقاً, أدعو إلى وجهة نظر أو زاوية للنظر إلى مشهد لم يكن مرسوماً هكذا قبل قراءة القصيدة, على الأمور أن تبدو داخل القصيدة كأنها تقال للمرة الأولى، ولكن كيف يبدو ذلك؟ إذا أتينا بقاموس وعر مستغلق لا يُفهم خسرنا القارئ, وإذا أتينا بعبارات مجردة تعميمية مطلقة ليست ملموسة ولا محسوسة أيضاً فقدنا المعنى, أنا أستخدم لغة مفرداتها مشتركة بيني وبين الناس, بين بائع الخضار والمكوجي, وسائق السيارة وابن عمتي, وجارتنا وخالتي, ناس تتحدث بهذه اللغة أستخدم مفردات الحياة البسيطة, محاولاً وقد أكون نجحت, أو أخفقت هذا ليس لي أن أحكم عليه, محاولاً أن أصنع علاقات تؤدي إلى مفارقة ما إلى دهشة ما, إلى تعميق معنى لم يكن وارداً قبل قراءة هذه القصيدة, يعني القصيدة لغتها مشتركة ولكن أثرها الكلي طازج, لا أضحي بالمفردات ولا أضحي بملموسية الكلمة, الكلمة الملموسة الكلمة المشهدية يعني في بعض قصائدي تجدي كتابة بالكاميرا, يعني أعتني بالحاسة البصرية كثيراً جداً في استفادة من السينما, اللغة المجردة التسطيحية التعميمية أدت بنا إلى اختصار شعرنا السياسي في الهجاء, وإلى اختصار شعر المرأة في الغزل, فحُرمنا من قصيدة الحياة التي تقدم تركيبيتها والسياسة جزء منها. وحُرمنا من قصيدة تقدم العلاقة بين المرأة أو الرجل كطرفين كندين, وليست علاقة ذكر يتغزل بموضوع لا دور له إلا انتظار أن يُمتدح, تقديس المرأة هي الطريقة الخبيثة لإهانتها, الطريقة المحترمة للتعامل مع المرأة ليس رفعها إلى مستوى القداسة بعبارات الغزل, وإنما احترام نديتها لا أكثر ولا أقل, بأخطائها بأمجادها, بقصوراتها بجمالها, بإنجازها, بإنتاجها, بمشاعرها, وبالتالي لا يُعقل أن تكون كل حبيبات الناس كاملات الأوصاف كأنها ساقطات من كواكب من بلور, ومن هنا في تجنب الخط في تجنب الخط المثالي في الفلسفة, والخطابي في السياسة, والمحتقر للمرأة من باب تقديسها, يعتبر تعتبر الأمور الشائكة في الكتابة في هذه المساحة هي ما يجب أن يشغل النقاد وهم يقرؤون ويطلقون التعميمات على من شاعر المرأة, ومن شاعر الوطن, ومن شاعر الحداثة, أعتقد فيه فوضى نقدية بائسة, تأخذ القريب والسهل والطافي وتصنع منه أحكاماً ونظريات, الأدب يستعصي على أي تنظير, وأنا أزعم أن ديواناً جيداً من الشعر قادر على أن يقلب كل نظريات الكتابة.[فاصل إعلاني]

الشاعر والأسئلة الحمقاء

المحاولة التي يقوم بها الشاعر باستمرار هي الاقتراب من الناس للمشي معهم بعد ذلك خطوات أبعد

كوثر البشراوي: أستاذ مريد يعني أنت هنا كأنك تُسقط مقولة شهيرة في عالم الشعر, أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره, وبالتالي أن تكون كل حبيبات نزار قباني عيونهم خضر وزرق يعني هذا يجوز لنزار, أن إنساناً يمدح في ملكه ورئيسه بكل جرائم زعمائنا ورؤسائنا فهذا يجوز للشاعر لأنه شاعر, يعني أصبح الشاعر هو اللي يشفع للشعر أليس هذا..؟

الشاعر مريد البرغوثي [مقاطعة]:

سيدتي هناك دائماً طول تاريخنا الجيد والرديء طول تاريخنا فيه نوعان من الشعر، الشعر الذي يحترم الشعر كقوة أخلاقية في هذا العالم, ليس بالمعنى الضيق للأخلاق, بمعنى الانحياز للجمال, والانحياز للقيمة, والانحياز للنفس البشرية التواقة إلى الأرقى والأسمى دائماً, وإلى فهم هذه النفس البشرية, هناك دائماً الشعر السطحي الذي يأخذ من كل ظاهرة الأقرب والأيسر, هاتان الظاهرتان مستمرتان, الذي يستطيع أن يساعد القارئ على الفهم وأن لا تختلط عليه الأمور هو العملية النقدية الأدبية, وهي في بلادنا العربية وفي بلدان العالم الثالث لا شفاء لها, أقول وأنا أزعم أنني أتوخى الدقة لن يكون في بلدان العرب حركة نقدية أدبية إذا ظلت حال الحريات كما هي, بمعنى يستطيع الشاعر أن يكتب وهو في السجن, وهو على فراش المرض, وهو على سرير الموت, يكتب وهو فقير وهو غني, وهو في طائرة, يكتب وهو فرد إذا أُتيح له قلم وورقة, أو شريط كاسيت, أو شاشة كمبيوتر, لا يحتاج الشاعر إلى أكثر من ذلك ليكتب, لكن الناقد عليه أن يكون جزءاً من مجتمع تزدهر فيه الحريات, لماذا؟ لأن الناقد الحقيقي يجب أن يكون قادراً على هدم أصنام زائفة, وهذا لا يُسمح له في مجتمعات ليست حرة, إذا هناك كاتب مقدس يجب على كل النقاد أن يعاملوه كمقدس في المجتمعات الخائبة فاقدة الحرية, عليه أن يُرشد إلى ويدل على أصوات ليست مستقرة, ليست في السائد, ليست في الواجهة, لكن يستطيع أن يقول هنا شعر جيد, هنا رسم جيد, هنا لوحة جيدة, هنا موسيقى جيدة, بمعنى علينا أن نتوقع من الناقد في مجتمع حر أن لا يتهيّب من المنجز, ولا يسقط في التهيّب من السلطات التنفيذية, ولا يسقط في الخوف من الإتيان برأي ليس جزءاً من الصيغة المتواطئ عليها والمتفق عليها في المجتمع, النقد العربي لن يقوم بهذا الدور, سيظل يعامل الثوابت كثوابت, والرواد كرواد, والناشئين كناشئين, والمرأة كمرأة, وسيظل يقول الأدب النسائي, وأفضل كاتبة نسائية, تصوري يعني إخراجها من الكتابة نتيجة شهادة الميلاد, وسيظل يتحدث عن الأجيال وكأنه إلى جيل الستينات والسبعينيات والثمانينيات, كأنه هناك حساسية تلد كل عشر سنوات, فيه أسئلة بائسة في النقد العربي, وهي أسوء من أن تكون لدينا إجابات بائسة, الإجابات البائسة لها حلول في الإنترنت, إذا عندك سؤال نسألك كم عدد سكان نيجيريا بتعرفيش, بتطلعي بكتاب جغرافيا بتلاقي الإجابة, بس إذا سئل سؤالاً خاطئاً من أي جيل أنت من الشعراء؟ هل أنت من الستينات أو الثمانينات أو التسعينات؟ ماذا تفعلين بهيك سؤال؟ هل أنت مع قصيدة النثر أم ضدها؟ ماذا تفعلي بهيك سؤال أحمق؟ هل أنت مع التفعيله أو ضدها؟ أكتب بأي شيء تشاء, لكن على الشكل الذي تكتبه أن يبرر شكله, إن كل قصيدة نكتبها تطالبنا بجمالياتها الخاصة, هذه تستدعي أن تكون قصيرة, وهذه طويلة, هذه سردية, هذه درامية, هذه تعتمد على بحور الخليل, هذه لا تحتاج أن تموسق, هذه تكتب كنثر زي فاتورة التلفون, جد لازم أنا أكتب قصائد لا تفرقي بين مفرداتها ومفردات أدوات المطبخ, وغرفة المعيشة والشارع, ولكن العلاقات بينها تخلق شيئاً مدهشاً, كأن تصفي ساحة عامة يمر منها آلاف الناس يومياً ولكن من صورة جديدة, فهناك الشحاذ وبائع الخضار, والمخبر وبائع الجريدة, وشرطي المرور وموكب الرئيس, ها؟ كيف نضع مونتاجاً يجمع هذا المشهد بحيث تبدو الساحة كأن أحداً لم يمر بها قبل اليوم؟ الكتابة مسألة فيها عمل يقوم به الشاعر, الشاعر يقوم بشُغل, أحياناً لا أرى أثراً لشغل الشاعر, الشاعر الذي يأتي كما سميتها مرة وكأن النهر ينبع من مصبه, يأتي من الآخر فلسطين عربية, يجب أن تكتب قصيدة توحي لي بذلك مش تبدأ من هنا, النهر لا ينبع من هنا, النهر لا ينبع من مصبه, وبالتالي في عمل في شعراء كسالى لا يقومون بعملهم المنزلي, في نقاد كسالى لن يقوموا به, لاحظي أنني أقول لا شفاء للنقد إلا إذا أصبحت حريات, ولم أرَ مجتمعاً بائساً أفرز نقاداً حقيقيين إلا إذا كان الناقد جريئاً وقادراً على دفع الثمن, هدم أصنام قائمة, الإشارة إلى مواهب غير ملتفت إليها, وعدم السقوط تحت سطوة المسلّمات, تحت سطوة الإعلام, وتحت سطوة الإقرار والجوائز, والاحتفالات والألقاب, آآ؟ هذه كلها بتعمل نوع من الطبول حول صوت الشاعر الخفيت الخافت الحقيقي فلا نقرؤه, لا نقرؤه إلا بطبوله.كوثر البشراوي: طالما أنت أدمجت وحشرت الناقد وهذا موضوع آخر ونكبة أخرى من نكبات الثقافة العربية. الشاعر مريد البرغوثي: لأ أنه المجتمعات كمجتمعاتنا سيدة كوثر نحن نعيش مجتمع الحزب الأوحد, والكاتب الأوحد, والشاعر الأوحد, والروائي الأوحد, والناقد الأوحد أيضاً, يعني بمعنى أنه لا نتصرف بتعددية, ومن ومن الذي يدهشك يقوم بهذا الإجرام المثقفون أنفسهم, المثقفون أنفسهم يضيقون بالتعددية, حتى وإن نادوا بها زيفاً, كل من يكتب في شكل ما يريد أن يُعمم ذائقته الشخصية إلى أيديولوجيا, وكل صاحب أيديولوجيا يريد أن يعمم الأيديولوجيا التي تخصه ليحولها إلى ذائقة أدبية, ولا أحد يؤمن بتجاور وتحاور أشكال الكتابة وأشكال الإنتاج الفني, لتتحاور وتتجاور كافة الأشكال, المانع كل شخص يبدأ في الدخول إلى النص بأحكام قبل أن يقرأه, آه هذا شاعر تفعيلة لا أحبه, هذا شاعر قصيدة نثر لا أحبه, هذا شاعر عمودي لا أحبه, هذا من هذا البلد لا أحبه, هذا من هذا الجيل لا أحبه, وبالتالي ندخل بأحكام تسبق النص ولا تنبع منه, فالنقد يجب أن يكون قادراً على التعامل على أساس أن لا يوجد نظرية واحدة, ولا شاعراً واحداً, ولا كتابة من نوع واحد.

كوثر البشراوي: أستاذ مريد هناك عنصر ثالث في هذا المثلث, في هذا يعني تحكي عن شاعر, تحكي عن ناقد, تحكي عن متلقي, الشاعر بصورة عامة يكتب لهذا المتلقي, فبالتالي لما يستخدم القدس باقية, وليسقط شارون, يعتقد أن ما يريده الجمهور هو هذا الشعار بالضبط, فهو يقول لك أنا ألبي احتياجات هذه الذائقة العامة, الناقد لأنه أيضاً مرتبط بنفس المتلقي يتمادى ويتماشى مع هذا الشاعر.

الشاعر مريد البرغوثي:

أشبه بأن تقدمي كأس ماء للمرتوي.

كوثر البشراوي: معلش إحنا الآن نفكك هذا المثلث, مثل مثلث ربطة عنق المسؤول, طيب نوصل إلى هذا المتلقي, وأنت سألتني ونحن قبل التسجيل قلت لي كيف رأيك؟ ما هو رأيك في ردة فعل الجمهور؟ فقلت لك هذا الجمهور يريد القدس القدس القدس وهذا بصراحة كان إجابتي. القدس القدس القدس وما غيّر شيء.

الشاعر مريد البرغوثي:

منذ أول القرن ونحن نهتف والجمهور يأخذ هذه العطايا كما يشاء.

كوثر البشراوي: طيب أنت ما هي كيف تتصرف أمام جمهور يشعر أن مريد البرغوثي ذاك الفلسطيني اللي قضى عمره مرمي خارج الزمان, وخارج الجغرافيا, ليأتي اليوم بدون ما يرفع هذه الشعارات, وكأنك تخذل هذا المتوقع في ذهن الآخرين, كيف تتصرف إذا كل الظروف معوجّة؟ كيف تتصرف؟ ماذا تفعل؟ تنسحب؟ يعني تحاول يعني زرع شيء من الصحوة في هذه الذائقة, جلب الأنظار كيف تعمل؟ كيف تتصرف؟

الشاعر مريد البرغوثي:

المحاولة التي يقوم بها الشاعر باستمرار هي الاقتراب من الناس للمشي معهم بعد ذلك خطوات أبعد, أنت لا تستطيعين أن تمشي مع أحد خطوات إلا إذا اقتربت منه تجاورتما ثم يبدأ المشوار, أنا لا أقدم هذا التنازل الخطابي ولن أقدمه, ولكن أكتب نصاً تستطيع أن تفهمه جدتي وحفيدي, جاري وبائع الخضار, بمقدار ما المختص سيفهم مستويات أخرى للقصيدة, هناك مستوى ما من النص الذي أكتبه يصل لمعظم من يطّلع على هذا النص سواء قراءة أو في أمسية, وهذه تجربتي لا يوجد استغلاق في النص, لكن يوجد مستويات لتلقّيه, شخص يرى كافة الطيات الكامنة تحت النص, وكافة التعقيدات والتركيبات, وشخص يرى مستوى واحداً أو مستويين ولكن النص نفسه ليس مستغلقاً ليس مبهماً ليس مغلقاً.

كوثر البشراوي: يعني أستاذ مريد طبعاً موضوع المتلقي لما أُصر على طرحه الآن, لأني بصراحة لا أعفي هذا المتلقي على تشجيعه على الظاهرة اللي كنا نتحدث عنها.

الشاعر مريد البرغوثي:

في مجتمعاتنا العربية حيث نُحكم بهذه الطريقة, وحيث تدار حياتنا بهذه الطريقة على الصعيد الرسمي, من الظلم أن نلقي باللائمة على المجموع البشري العربي، هذا المجموع البشري الذي تعرض لكافة أشكال التجهيل والتزوير والكذب والوعود الزائفة وتخريب العقل والعبث في الحالة النفسية، عبث الحكام بهويته قالوا له مرة، إنك قومي، ومرة قالوا له اشتراكي، ومرة قالوا له من النهر إلى البحر، ومرة قالوا له كل شيء ينبع من فوهة بندقية، ومرة قالوا له أوسلو، ومرة قالوا له إن جنحوا للسلم، ومرة قالوا له الإسرائيليون ولاد عمنا، ومرة قالوا له أوراق القضية كلها بيد أميركا، ومرة .. يعني مؤامرة .. لي صديق كان بقول فيه مؤامرة لتجنين الشعب العربي، يعني تم العبث بهوية هؤلاء الناس بالإضافة إلى الفقر والأداء الاقتصادي البائس وهدر الإمكانية الذي أدى إلى نهب ثروات طائلة لهذه الشعوب أنا بعد ذلك لا أستطيع أن أنحي باللائمة على المجموع البشري العربي وعلى الشعوب التي فعلاً تعرضت لضغوط هائلة لم تستطع شعوبنا العربية أن تتفرغ لإدارة أسرها وحب أطفالها ورعاية نباتاتها الصغيرة لأنها طول الوقت واقعة تحت المظالم والملاحقات والمطاردات والتنصت والسجون والمعتقلات، لا يُقدّم لهم تعليم جيد ولا يُقدّم لهم جامعات جيدة ويدفعون ضرائب دون خدمات، ويدفعون .. هذا البائس عندما أسمع ناساً تتحدث عن سُبات الشارع العربي وخيبة أداء الأمة العربية حقيقة أعتقد أن هذا تبسيط وتسطيح واستسهال مرة أخرى.

 
احمد محجوب|02/07/2004 م، 4:35 (السعودية)، 1:35 (جرينيتش)
الجميل مريد الجميلة كوثر ارجو اطالة امد هذا الحوار مع المزيد من البرغوثى الذى شاغب تراب الارض يوما ايها الرجل الابيض الذى يرفض ابدا ان يتوسط ابدا ضمدنا اكثر الميع الجيد يا كوثر هو من يعرف كيف يبدو -مثلك - متعاطفا بالبداهة مع الضيف وهذا للاسف يصنع حالة جيدة ولكن..... لا يصنع اعلاما صلباحاولى اكثر ان تدخلى تابوت هذا الرجل فلديه الكثير والكثير جدا كى يقولودعينا نرهف السمع محبتى تلك التى لا املك غيرها اخوكاحمد