مريد البرغوثي

لكن كيف نكتب هذا العالم؟

 

في الحقل الثقافي والمعرفي وما ينتجه من آداب وفنون تأتي النظرية ثانياً لا أولاً. لا يدرس الكاتب النظرية ليكوِّنَ نصه لكن النظريةَ تدرسُ الكاتبَ لتتكوَّن، ثم تتلوَّنُ في مسارها زمناً، وتهاجر بها القراءات والتأويلات إلى مسالك شتى قبل أن تهدأ وتنام في رفوف التاريخ الذي هو وحده لا يهدأ ولا ينام. لن أزعج أحداً باستعراض النظريات العديدة حول "الشهادة الإبداعية" لا لأن التنظير بعيد عن تخصصي بل أيضاً لأنني خائن نظريات محترف. أنا أخلص لمسوداتي وأطيع توجيهاتها أكثر من إخلاصي لأي نظرية أدبية. عندما أبدأ سطوري الأولى على شاشتي البيضاء، شعراً أو نثراً، فإن هذه السطور الافتتاحية هي التي تأخذ بيدي في مهمة العثور على الجماليات المناسبة لها، لها هي بالتحديد. وهي التي تتولى إرسال إشاراتها المُلزمة التي يحسن بالنص، هذا النص بالتحديد، أن ينبني عليها ليحقق أثره الكلّي. هنا، في وحشة بياض الصفحة الباقي، لا تنفعك النظريات ولا تجعلك الكتب المدرسية جميلاً. وكما تتنوع بدايات النصوص وتتعدد، تتنوع الجماليات القادمة معها وتتعدد، من نص إلى آخر، أو من حقبة في مسيرة الكاتب إلى حقبة أخرى. هذا بالضبط ما يحمي الكاتب من العيب الأكبر، عيب أن يتحول إلى كاتب "متوقَّع" أي متكررٍ جَلاّبٍ للضجر. ولعل همستي الوحيدة التي حاولت أن أمررها لمن سألني من محبّي الكتابة والشعر، الذين واللواتي لم يبيضَّ شَعرهم بعد، والسنوات التي أمامهم أكثر مما تبقى أمامي، هي أن لا ترهبهم أي نظرية أدبية مهما شاعت، حتى لو اكتسبت سطوة العُرف وفتنة الموضة وقوة القانون، فمن إبداعهم هم تُستنبَط النظريات. ومن يعكس الآية منهم يسئ للنظرية وللتطبيق معا، ويخسر القصيدة والقصد، أي أنه يخسر ذاته كمبدع ولا يكسبنا بعد ذلك كقرّاء. إن تاريخ الفنون يصنعه صف طويل رائع وجريء من خونة النظريات. فلولا خيانة النظريات لتوقفنا عند امرئ القيس وألكساندر بوب ودافنشي وتولستوي وإبسن ، وحرمنا من السياب وشيمبورسكا وبيكاسو وكافكا وبريخت والقائمة بلا نهاية. وإذا كان سوسيولوجيو الأدب يؤكدون أنه ابن نسق ثقافي عام ووليد مجتمع ملموم على أوصافه وأوصاف وقته، إلا أن المجتمع ليس سبيكة واحدة، بل إن في المجتمع الواحد صراعاتٍ ورؤى وانحيازاتٍ في كل اتجاه، وعلى الكاتب أن يختار زاوية موقفه وزاوية كتابته، ضمن هذا الاختلاط العظيم وعليه في في الحالتين أن لا يكون مطمئناً بشكل نهائي ومغلق لأرائه كإنسان ولإنتاجه ككاتب.

أنا إنسان يكتب الشعر، وأعلم أن لي أخطائي وخطاياي "كإنسان"،

وأعلم أن لي، بين ما نشرت، ما أندم عليه "كشاعر".

لكنني في أحوالي كلها أظل مديناً لألهة القلق والارتياب التي تصفع اطمئناني أكثر مما تصفِّقُ لي وتعلمني أن ثروة الكاتب الدائمة هي أسئلته وتساؤلاته الدائمة.   

***

دخلت عالم الشعر بعد هزيمة حزيران 1967. كان المشهد الكتابي موسوماً بالنبرة البطولية ذات الصخب والعلوّ، وكانت كارثية الوضع الفلسطيني والعربي( وما زالت) تغري بذلك بل وللأمانة تتطلبه. كان ارتباط الشعر بالمقاومة يرقى إلى منزلة التعريف القاموسي. ولا أدري كم يلزمنا من الوقت لكي نتذكر أن المقاومة هي غير قيادة المقاومة مثلاً، وأنها ليست وسائلَ المقاومة كالبندقية أو الحجارة مثلاً، وأنها بالتاكيد ليست هذا الجسم الحزبي أو ذاك، وأنها حتى ليست الوطن في التجريد المثالي الذي ينسينا تفاصيل كثيرة قاسية لا ينبغي نسيانها.  يقتضي توسيع معنى المقاومة أن تشمل العدوَّ والذاتَ والموروثَ والمحرماتِ المثلثة، وعلاقاتِ السوق ولغته الإنشائية الجاهزة الصنع، وأعرافَ الجماعة وعيوبَ الإجماع الآليّ على فكرة أو عنقود أفكار. لكنه يقتضي أيضاً التدقيق المجهريّ في دلالة ما نختار من كلمات حتى لا يغطي عسلَ الموقف ذُبابُ التجريد. ولو استهوت الكاتبَ المجاراةُ والتزاحمُ على حصته من السائد المستتب، لما خرج عن نطاق كتابة المكتوب سلفاً وقول ما تم قوله مئات المرات. إن الأمر يتطلب وقاحة الخروج من الأوركسترا في ذروة أدائها. ولولا هذه الوقاحةُ الساحرة لما تجدد الفن ولا تجدد البشر.

***

لا يملك أحد أن يدّعي أنه ولد "جديداً" على الفور. والحق أن الشاعر لا يقترب من خصوصيته إلا بعد حماقة أو اثنتين أما أنا فكان لي منها أربع حماقات تتمثل في نشر أربعة دواوين رديئة قبل أن أنشر الديوان الذي يظهر بدأًً من عنوانه أنني اخترت ترك الشارع العريض لأهله ومغادرته إلى رصيفي الصغير، فأسميته "قصائد الرصيف". لكن عليّ أن أحذِّر من سوء الفهم هنا: لا يصحو الشاعر من نومه ذات صباح ليقرر أنه سيجدد شعره أو سيجدد الشعر بهذه الطريقة أو تلك. التجديد والتقليد هما نتاج فلسفة كامنة تكونت أوتسللت داخل كل فرد منا وتشمل مفاهيمَه الخاصة حول عالمه الصغير وعالمه الكبير. على الشاعر أن يمتلك الجرأة على خلخلة فلسفته ومحاكمتها باستمرار والسخرية منها بدلاً من الاطمئنان السعيد الذي يرفع تلك الفلسفة وتلك المفاهيم إلى مقام المقدس. إنك لن تجني إلا الخيبة إذا توقعت تجديداً من شاعر مطمئن.

***

في بعض الحالات تكون أحداث الحياة ذاتها هي القابلة التي تستولد التجديد من رحم التشابه. وعندما ترغمنا الحياة على إعادة النظر في قيمة ما نعتنق وما نملك من أفكار فإن علينا أن نلتقط الخيط على الفور. كنت في القاهرة شاعراً ومحرراً ومذيعاً وزوجاً وأباً لطفل عمره خمسة أشهر عندما قرع بابي عدد من رجال الأمن المصريين وتم حبسي وطردي من مصر في الليلة التي سافر فيها أنور السادات من القاهرة إلى القدس، ناقلاُ العروبة كلها من حقبة الوقوف في وجه إسرائيل إلى حقبة الوقوف إلى جانبها. ارتعدتُ من شكل أيامنا القادمة، وها نحن وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم حيث يتلاعب العدو بنا على هواه. كان الاقتلاع كاملاً، بدا لي أن أحداً  رماني في الفراغ كحجر لا يعرف العرّافون أين سيهوي. خلخلة تفتت أي تماسك، فترغمني على التماسك. كانت مآخذي المتنامية على تهاون القيادة الفلسطينية تتأكد كل يوم، بالإضافة إلى تهاون القيادة المصرية وتورط الطرفين في خياراتهما التاريخية الرديئة البالغة الخطورة. كانت الأرض تهتز بالقضية وبأهلها، وهل يكفي التغني بالوطن والفدائيين والثورة وحتمية النصر للإحاطة بهذا الالتباس البالغ التركيب؟ وهل يكفي هجاء الحكام أو التحريض الموزون لصناعة الفن؟ كيف يمكن أن يًكتب هذا التعقيد الحزين والخطير كتابة تمتع قارئها كعمل فنيّ؟ فشرط القراءة هو المتعة أياً كان موضوعها حتى لو كان كتابة الكارثة. ازداد نفوري من أي تسطيح أو تبسيط أو تجريد. لجأت للغة المادية الحسية الملموسة وللغة الكاميرا وللقصيدة المتقشفة، واكتشفت أنني أعمل على ما أسميته بعد ذلك "تبريد اللغة" لأبعدها عن لغة الحاكمين المصابة بالحمّى.

***

أريد أن أوضح أن كل من ينظر بدقة في أحوال ذاته وأحوال هذا العالم، سيجد نفسه باحثاً عن لغة أكثر هدوءاً ودقة، لغةٍ تستطيع الإحاطة بهذا الواقع. وشهادات الكتاب لا تتمثل فيما يقولونه عن إبداعهم بل في مجمل إبداعهم كما تركوه لنا. وشهادتي حول الكتابة كفن وحول زماني كموقف، أسلوباً أو دلالة، ظهوراً أو احتجاباً، دخولاً في جماعة موحدة الرأي أو امتناعاً عن ذلك، انسجامي مع السائد المستقر أو محاربتي له بالانتقاد والتعارض والفضح، هي مجمل أعمالي المنشورة شعراً أو نثراًً وليس أي شهادة أكتبها عن تلك الأعمال.

***

قلت في موقع غير هذا إن الشعر هو طريقتي للتدخل في شئون العالم ولن يتسنى لي التدخل في شئون العالم إن لم أحاول التدقيق في صورته الحقيقية وأقنعته المتقنة التي يراد لي أن أصدق أنها حقيقية. كيف لي أن لا أتأمل هذا التغيرَ الصادمَ لصورة العالم اليوم، ففي غمضة عين أصبح إطلاقُ قذائف المدفعية الثقيلة على التماثيل المنحوتة منذ مئات السنين برهاناً على قوة الإيمان، وأصبحت كميةُ القماش على جسد المرأة شرفاً، ومقاومةُ الاحتلال إرهاباً، والاحتلالُ تحريراً، وأصبحت الأمم المتحدة "دايةً" لتوليد الحروب في كل مكان، والحاكم بأمر الله يغادر جبروته الكاريكاتوري الطريف وأزقة الحكاية المسلية ليصحح له البيت الأبيض في واشنطن مفهومَ الحكم بأمر الله على كل شعوب الدنيا بدفن هيروشيما واغتصاب الرجال في أبو غريب. ولكن كيف نكتب هذا العالم؟

***

إن ما لا يدهش الكاتب لن يدهش قارئه. ولكي يندهش الكاتب يجب أن يفكر فيما يرى لا أن يرى ما يفكرُ فيه. لم يكن ممكناً إذاً وأنا أرى رام الله بعد ثلاثين عاماً من حياة المنافي والشتات أن أحبس هذا الزلزال الغافي في حواسي الخمس، أو في أي إطار جاهز الصنع. ففي الدنيا تجارب تفيض عن محدودية الجسد الفرد ويضيق عنها شكل القصيدة. عدت لأعيش بدايات انتهت وبدايات تبدأ ولا سابق لها في حياتي. كانت المرة الأولى التى أرى فيها جندياً إسرائيلياً أو علماً إسرائيلياً أو مستوطنة يطل عليها شبّاك ليلتي الأولى في بلادي. كأنني ولدت ثانية بعد ثلاثين عاماً من الكهولة، كأنني ولدت مرتين، الثانية منهما ولدت بشعر أبيض وذاكرة توجع الروح كما يوجعك ارتطام ركبتك بالدرابزين. إنها المرة الأولى التي أقف فيها أمام أهل القرية أعمامي وأخوالي وجداتي وهم يتأملونني لا طفلاً حاملاً دفاتره إلى الصف الأول الابتدائي أوان ابتلال المدارس برذاذ الربيع الريفيّ، بل شاعراً يلمس باليدين وبالذهول خريف قضية الوطن ويحدق في اختلاط الشجاعة بالدمع، والبطولة بالتفريط وبشاعة الطلقة ببشارة الطلق، يقف بين أيديهم، في مضافتهم ويقرأ من كتب ألفها في بلاد بعيدة أشعاراً هي كلها عنهم ولهم وبسببهم، كانت لحظة تشبه الدخول في حياة أخرى داخل هذه الحياة، لا بعدها، كما بشَّر الأنبياء ووعدت نصوص الكتب. هنا في قريتي أنا ولد لا يعرفني إلا العجائز. فهل أنا بشر أم خبر؟ كنت أبحث عن جسمي وأتفقده لأتأكد من إنني أنا، وأن هذا الذي يحدث يحدث لي أنا وليس جزءاً متوقعاً ومألوفاً من فكرة المقيم إذ يستقبل العائد من غياب. كانت المرة الأولى التي يؤكد لي فيها الواقع الواقعيّ انحطاط عملية السلام التي هي مُهَلٌ نمنحها لإسرائيل حتى تكمل بناءَ مستوطناتها وجدارها وتستكمل تهويدها للبلاد وقتل أعدادٍ أكبر من الفلسطينيين وإرسالَ من يتبقى منهم إلى معسكرات الاعتقال أو إلى الخوف اليومي. لم تكن رحلة مجاز بحريٍّ إذاً ورام الله لم تكن إيثاكا بل تيهاً آخر في كل يابسة محكومة بأهل يجفلون من الغريب، ولم تكن رحلةً لملاحة التأمل بل لفداحة البرهان. ها هي فلسطين اليوم تستعد لاستقبال النكبة الثانية، وقياداتها التي ستأخذها إلى هناك مشغولة بالابتسام المدروس والتطاحن السعيد.

***

لم أسأل نفسي لماذا أخذتني تلك التجربة إلى شكل روائي قبل أن تأخذني إلى شكل القصيدة. ولم أسأل نفسي إن كان ما كتبته رواية أم جسداً يبحث عن إسم. في مجموعاتي الشعرية يجد الباحث اقتراحات متنوعة لأساليب لا تشبه بعضها بعضاً، من الكتاب القصيدة، إلى التوقيعات والإبيجرامات التي لا تزيد عن سطرين أو ثلاثة في بعض النصوص، ومن الشعر الكلاسيكي إلى الشعر الحر إلى قصيدة النثر ومن النبرة الساخرة إلى وجع يفتت رخام الإغريق. في كل الأحوال لم أكن طرفاً في حرب العصابات البلهاء حول مشروعية هذا الشكل للقصيدة أو ذاك، ففي ظني أن من شغلوا أنفسهم بالدفاع عن شكل قصيدتهم هم إما أولئك الذين لم يتقنوا ذلك الشكل أصلاً أو أولئك الذين ليست لديهم ثقة كافية بحقهم المشروع في انتهاك السائد أو أخيراً أولئك الذين يقفون كشحاذي الألقاب يتوسلون السبق ومكافأة الريادة وهذه الحالات كلها لا تليق بمنتجي الثقافة كما أفهمها هنا والآن على الأقل. قلت في مكان آخر ذات يوم إن الناقد هو ناقد النص بينما الشاعر هو ناقد العالم. ومن ينتقد عالمه، اي ذاته، أهله، حزبه، قومه، تاريخه، تراثه، ومؤسساتِ مجتمعه، نقداً حقيقياً مزعجاً، عليه أن لا يتحسر على تعرضه لهجوم مضاد أو لحجب الضوء عنه وعن ما يمثله، فالنادم على الانشقاق أسوأ من الصامت المنسجم، وأخطر من الصاخب المتواطئ. عندما تختار أن تكون مثقفاً انتقادياً فعليك أن تتقبل دفعَ الثمن تهميشاً وإبعادا، وتعف عن المغانم،  لا يستطيع المثقف أن يزعج القوة ويتوقع أن تشركه في نعيمها. كان يوماً حزيناً عندما قرأت في صحف بلد عربي أن شعراءه وروائييه وأعضاء رابطة الكتاب فيه اعتصموا في مقر الرابطة مطالبيين الحكومة أن تجد لهم وظائف في دوائرها لمجرد أنهم شعراء أو روائيون، حتى وإن كان أكثرهم لا يتقن أي مهنة. أي أنهم يطالبون بمزايا عنصرية ترفعهم فوق حظ المواطن ذي الاحتصاص. حزنت لا لأنني أؤيد البطالة لهم بل لأنني شعرت أننا خسرنا كل سنوات سعي المثقف العربي من أجل استقلاله عن الأجهزة الحكومية خصوصاً وأن معظم دولنا العربية إن لم تكن كلها مصابة بفقدان الشرعية الشعبية، وباغتصاب السلطة عن طريق الانقلابات وقوانين الطوارئ والانتخابات المزورة وانتهاك الناس وازدهار مؤسسة التعذيب الجسدي في مراكز الشرطة وأقبية المعتقلات. من هنا كان اختياري لدور المزعج الشعري والسياسي والاجتماعي خياراً يرقى إلى مرتبة الاضطرار وهو خيار عرضني لخسارات كثيرة لم أجعلها مادة للشكوى، ولن أجعلها.

***

هل يمكن للباحث والقارئ أن يصدق شهادة الكاتب؟ إن كل كتابة هي زعم، لكن مزاعم القصيدة أصدق من مزاعم شاعرها. وإذا علمنا أن أهم عنصر من عناصر الشهادة هو الذاكرة ظهر السؤال المحير التالي: هل الذاكرة تكوّن الكاتب أم أن الكاتب مكوّن للذاكرة؟ الكاتب قادم من كل ما يتذكره من مشاهد وأصوات وأصداء وحالات ومواقف وحكايات محفورة في وعيه المعلن والمستتر، ولكنه حين يذيع أعماله الفنية وينشرها في الناس فإنها بدورها تتحول تدريجياً وببطء عبر العصور لتصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية للمطلعين عليها. أي أن الكاتب هو حفيد الذاكرة وجَدُّها أيضاً. ولا يهم هنا أن نتفق أو نختلف مع رؤاه وطروحاته وخياراته الجمالية بل المهم أن وجوده أصبح ملموساً ومدركاً وهو أقدر على الدلالة على هويته وقوله من أية تصريحات أو إفادات تقدم تحت الطلب أو لتكوين أثر متعمد.

***

كتبت شعراً عن حياتي وعن حياتنا ولم يقل كل شيء، وكتبت نثراً ولم يقل كل شيء، وها أنا أقدم إفادة عن كتابتي ولن أقول كل شيء. فهناك دائماً ما يطالبنا بأن نقوله، وهناك دائماً ما يجب أن نقوله بطريقة أخرى وبذكاء أكبر. فالنص الذكي نص ممتع، والنص الغبي إهانة. ولهذا يستمر الكاتب في عمله ليكون أكثر فهماً لذاته وللعالم، وأقل غباءً من أن يتوهم أنه قد أتم الفهم. ومن لا يقول جديداً يفسد علينا حكاية العالم فينا وحكايتنا في العالم ويجعلها باهتة مضجرة. وإنني أعلم أن الله يغفر الذنوب جميعا، لكنني متأكد من أنه لن يغفر أبداً لنوعين من الكتاب: الكاتب السعيد بذاته والكاتب الذي يشعرنا بالضجر، وهما في الحقيقة، إذا دققت في الأمر، كاتب واحد.

 

مريد البرغوثي