اتصال | English site

 

  مريد البرغوثي

 

مريد البرغوثي، سيرة مختصرة

 

شاعر فلسطيني من مواليد دير غسانة، قرب رام الله. له 12 مجموعة شعرية، ومجلد للأعمال الشعرية. حصل على جائزة فلسطين في الشعر عام 2000. ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية والبرتغالية. وحاز كتابه النثري  رأيت رام الله (1997) على جائزة نجيب محفوظ للآداب وصدر حتى الآن في 6 طبعات عربية في القاهرة وبيروت وكازابلانكا ورام الله. وترجم الكتاب إلى لغات عديدة منها الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية والهولندية والنرويجية، والبرتغالية والإندونيسية والتركية والصينية.  قرأ مريد البرغوثي شعره ونثره في معظم المدن العربية، وفي عواصم ومدن إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وسويسرا والبرازيل وإسبانيا وشارك في عدد كبير من اللقاءات الشعرية ومعارض الكتاب في العالم. وقدم محاضرات عن الشعر الفلسطيني والعربي  في جامعات القاهرة و فاس وأكسفورد ومانشستر وأوسلو ومدريد وغيرها. آخر إصدارته: ديوان متنصف الليل، دار رياض الريس، بيروت،  2005  وقد صدرت ترجمته الإسبانية في ديسمبر 2006 بعنوان Medianoche 


نُشِرَتْ هذه القصيدة عام 1983 وأتمنى أن يقرأها السياسيون الفلسطينيون المتصارعون اليوم


مريد البرغوثي

لي قارِبٌ في البَحْر

 

لي قارِبٌ في البَحْرِ روحي أبْحَرَتْ مَعَهُ

كَفّايَ مجذافاهُ والعينان قِنديلاهُ والأضلاعُ أضْلُعُهُ

لا النَّجْمُ لاح لمُبحِريهِِ ولا بدا لنواظرِ الأحبابِ مَطْلَعُهُ

تَتَدافعُ الأمواجُ ضدَّ مََسارِهِِ وأنا بنبضِ القَلْبِ أدفَعُهُ

كم مِن فتىً مُسْتَصْوِبٍٍ إبحارَهُ غَرَقاً

لو أدرك التيّارُ بعضَ خِصالِهِ ما كان يَصْرَعُهُ

وصَبَيَّةٍ هَتَكَتْ قميصَ الريح عازِمةً

عزماً يَعُمُّ على بِلادٍ لو تُوَزِّعُهُ

دَمُها يكادُ يُعاتِبُ الأسماكَ مُرْتَعِشاً

ونِداؤها لو أصْغَتِ الأفْلاكُ لَيْلاً سوف تَسْمَعُهُ

والإستغاثةُ لم تَصِلْ لمُغيثِها

إنْ ضاعَ غَوْثُ المستغيثِ فما له شيءٌ يُضَيِّعُهُ

 

لي قاربٌ في البحر لو عَدَّ العِدى رُبّانُهُ لَتَحَيَّرا

إن رَدَّ مَوْتاً ظاهِراً ما رَدَّ مَوْتاً مُضْمَرا

وعدٌ تَهَشَّمَ قبل أن يَعِدَ المدائنَ والقرى

يتثاءَبُ التاريخُ في هذي البلادِ كأنه مَلَّ الحكايةَ كلَّها

مَلَّ الدَّمَ المسكوبَ من جيلٍ لآخرَ والرجوعَ القهقرى

هل كل هذا الموت يخلو من قيامة؟

وهل المُرَجّى ضاعَ ضيعةَ خاتمٍ في التربِ،

أم أنّا ستُرشِدُنا عَلامَة؟

وهل المُسافِرُ مَلَّ أخطارَ الطريقِ

أم انه مَلَّ السَّلامَة؟

 

لي قارِبٌ فيه النبيُّ وفيه شيطانٌ رجيمْ

فيه المعذَب والمعذِب والنعيم مع الجحيمْ

مع كاشف الطرقات والأعمى وأفذاذٌ وأُمِّيّونَ، مبتكرو

مَخارِجَ، موقدو أملٍ ومرتكبو مباهجَ،

ظالم فظ ومظلوم حليم

لي قارب فيه الشجِيُّ مع الخَلِيِّ، مع المُخَرَّبِ

والعَفيِّ، مع الأغاني والضجيج المدفعيِّ، مع الصبايا

في الحذاء العسكريِّ، مع المُقَدِّمِ روحَهُ

والصَّيْرَفِيِّ، مع الغَريرِ مع الحكيمْ

لي قارب فيه الرصاصُ وفيه ملاحون مصطرعونََ،

فوقهمُ النجومُ كأنها موتى،

وحولهم الرفاقُ الميّتون كما النجومْ

 

يا أيها الماء انتبه!

هذا هلاك كالهلاك!

 

هل أُنْهِكَ الضِّدُّ النبيلُ فصار مَهزوماً نبيلا؟

أم غيَّر الماشي السبيلَ أم انه ضلَّ السبيلا؟

 

أنا لا سرير يدوم لي

لا سقف يألفني طويلا

أما الأحبة لست ألمسهم،

وإن قالوا "الإقامةَ" قلت بل قصدوا "الرحيلا"

ويجيء بالأخبار راويها

فأفزع قبل أن أصغي له أو أن يقولا

تلد الحواملُ ثم تدفِنُ، ثم تشهق فرحةً بوليدها وتعود تدفنُ

ثم تُدْمِنُ حُزْنَها جيلا فجيلا

وأكاد أسمع دمع جدّاتٍ فقدن الصبر يهمس مرهَقاً:

"صبراً جميلا"

 

وأنا محاولة البقاء وكل ما حولي يحاول أن أزولا

الوقت ذو نابين يكمن لي

وأهلي يهدمون يدِي، أُضيفُ: يدايَ أَهْمَلَتا كثيراً أو قليلا!

وطني سَماحَكَ لم أَصِلْ في موعدي...

الموت أخَّرَني قليلا!

 

أنا من سيبني يأسَهُ بعنايةٍ

ويقيم فيه مُحَصَّناً ضد الغبار الحلو، ضد الإبتهاج المُرِّ

والصدأ الخفيِّ وسوف أَخرج منه مَجْلُوّاً صقيلا

لا وهمَ يقنعني طويلا

لا نجمَ يخدعني طويلا

 

قل إنني مَهْدٌ يقاتلهُ ضريح

قل إنني اليأسُ الفصيح

قل إنني الخطأُ الصحيح

قل إنني ولدٌ وكَفُّ الموتِ مَلْعَبُهُ الفسيح

قل إنني مَزْجٌ عَصِيٌّ بين بارودِ الخنادقِ والمَسيحْ

 

لي قاربٌ في كل بحرٍ،

خطوةٌ في كل بَرٍّ والمدى سَكَني

جسدي مظاهرةٌ، وفرقها الخصومُ

ولا أظن العمرَ يكفي كي يلملمني

صرتُ التبعثرَ في البلادِ

وكَثْرَةُ الأوطان تعني قِلَّةَ الوطنِ!

 

جَسَدي خزانةُ كل ظلم الأرضْ

جسدي سقوط العدل من عليائه

جسدي انهماك الروح في إعداد نقمتها:

مُتَكَرِّرٌ مثلَ الظهيرة، مثل حَبِّ القَمْحِ، مثلَ حكاية الجداتِ،

مثلَ مطالب الأطفال مثل اللغمِ

أَكْمن في الزمان، ومن يُعِدُّ القبرَ لي يخشى انتباهي وهو

يدفنني.

 

قل إنني العاجزْ

قل إنني القادرْ

قل إنني العاديُّ والنافِرْ

قل إنني بُقَعٌ مِن المُستقْبَلِ انتَشَرَتْ على الحاضرْ

قل إن فيَّ عواصفاً خَجْلى

وشهواتٍ مُكَبَّلَةَ الأيادي

قل إنني مُهْرٌ بلا بَرٍّ

وشَبِّهْني بإطراقِ المُنادَى حيث لا أحدٌ يُنادي!

قل إنني جَمْرُ المَواقِدِ في شتاءِ اللهِ غطاني رمادي

وأنا بِلادُ الروح تبني لي كهوفاً من سرائرِها

بلادُ الله تُنْكِرُ خطوتي فيها

بلادُ الموتِ تفتح لي حُدوداً دون أختامٍٍ،

وتستعصي على عيني بِلادي.

 

وأنا عنادٌ فاجِعٌ وأنا عيونٌ أجَّلَ التاريخ دمعتَها وكَلَّفَها

التيقُّظَ في الظلامْ

أنا نظرةُ الإلحاحِ في قومي إذا عَزَّ الكلامْ

وأنا خِتامُ هزائم العربيِّ وهو هزيمتي الأولى، وعاري طائِلُه

قل إنني من يُخرج الأشكال من أضدادها

يبني ويهدمُ ما استطاعت كَفُّهُ ومَعاولُهْ

قل إنني شقٌّ نحيلٌ في جدار الوقتِ

يكمن في انتشاري هولُهُ وزلازِلًهْ

قل إنني الدرب الحرامُ ومَن مشاه ومن هَدَتْهُ مشاعِلُه

قل إنني من يحفظُ القَسَماتِ حتى لو تقّنَّعَ قاتِلُهْ

قل إنني سكب الغمام على أواخرهِ تَهِلُّ أوائلُهْ

قل إنني ساعي البريد من الشهيد إلى الشهيد لكي تُصانَ رسائِلُه

قل إنني مَن كان مِن غاياتهِ نسجُ الحياة كما القميص

وإن بدا أن القبور وسائلُه

قل إنني مَن لو تكاد يداهُ أن تتصافحا مع مستبدٍّ

لم تُطعْهُ أنامِلُهْ

قل إنني سأموت دون مداخل الوطن الذي

تعطي الحجارةَ والصِّغارَ مشاتِلُهْ

قل إنني بحرٌ تتالي فيه غرقاهُ الكثارُ

وما بَدَتْ للمبحرين سواحِلُهْ

قل إنني المجنونُ أُبْصِِرُ مَوْتَ حُلْمٍ رائعٍ

وأواصِِلُهْ.

***

مريد البرغوثي

1983

 

 

اتصال | English site